السيد محمد حسين الطهراني

34

معرفة الإمام

وَهُوَ الطَّمَعُ ؛ وآخَرُونَ يَعْبُدُونَهُ فَرْقاً مِنَ النَّارِ ، فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْعَبيدِ وَهِيَ الرَّهْبَةُ ؛ وَلَكِنِّي أعْبُدُوهُ حُبّاً لَهُ عَزَّ وَجَلَّ ؛ فَتِلْكَ عِبَادَةُ الْكِرَامِ وَهُوَ الأمْنُ ؛ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : « وَهُم مِّن فَزَعِ يَوْمَئِذٍ ءَامِنُونَ » وَلِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : « قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ » فَمَنْ أحَبَّ اللهَ أحَبَّهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وَمَنْ أحَبَّهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ كَانَ مِنَ الآمِنِينَ . « 1 » أجل حقّاً ، فإنّ العبادة الحقيقيّة ليست معقولة بدون التوجّه إلى الله ؛ لذلك يتضاعف التوجّه بمضاعفة العبادة المستمرّة ؛ إلى أن تتراكم هذه التوجّهات تدريجاً فتصبح ملكة في النفس ؛ وتورثها اليقين والمعرفة والشهود . وهذا مبدأ عامّ وكلّيّ ، فضلًا عن وجود الشواهد القرآنيّة والروائيّة الجمّة عليه ، فإنّ الاعتبار العقليّ يدعمه أيضاً ؛ لأنّ حبّ كلّ شيء والشوق إليه يؤدّي إلى الانشداد والتعلّق به ؛ وهذا التوجّه الذي هو نفس العمل يوطّد ذلك الحبّ والشوق ويرسّخه في القلب ؛ وهذا الرسوخ الذي هو العلم يؤدّي إلى تأكيد رسوخ ذلك الشيء في القلب ؛ وإذا ما استقرّ ذلك الشيء في القلب مؤكّداً ، وأصبح ملكة ، فإنّ ظهوراته ستنجلي ، وآثاره وخواصّه كلّها ستشرق . إلى أن يتمكّن الشخص العابد المتوجّه إلى محبوبه الحقيقيّ ومعبوده الحقّ أن يشاهد ربّه تدريجيّاً ؛ ويعرفه ، ويعرف أيضاً نفسه والكائنات كلّها في الله ومع الله ؛ وفي هذه الحالة فإنّ التوجّه العباديّ سيثبت في مكانه ويستقرّ في محلّه ؛ لأنّ العبادة ما لم تتجسّد في رؤية المعبود على صعيد الشهود والوجدان والحضور ، فإنّها ليست أكثر من عبادة تصوّريّة ؛ وليست حقّ عبادة المعبود ؛ وذلك لأنّ معبوده صورة فكريّة وذهنيّة محدودة ؛

--> ( 1 ) - « الخصال » باب الثلاثة ، الطبعة الحروفيّة ، ص 188 .