السيد محمد حسين الطهراني

78

معرفة المعاد

وينبغي العلم بأنّه لمّا كانت الجنّة عالم التجرّد والإطلاق فكلّ ما شاء المؤمنين واشتهوه وجدوه حاضراً في متناول أيديهم ، أي أنّه سيكون حاضراً بمجرّد تحقّق رغبتهم ومشيئتهم الباطنيّة . لَهُم ما يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ . « 1 » وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفُسُ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ . « 2 » وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ . « 3 » وأكمل هذه الآيات دلالةً على نيل أصحاب الجنّة لما يشتهون ، قوله تعالى : وَهُمْ في مَا اشْتَهَتْ أنفُسُهُمْ خَالِدُونَ . « 4 » فكلّ كمال تمتلكه النفس ، وكلّ مقصود تسعى إليه ، وكلّ مشتهى تشتهيه وترغب فيه ، فإنّها ستخلّد في ذلك الكمال وذلك المشتهى ، وتقف عنده . ومن هنا ، فالذين يقصرون هممهم على الحور والقصور والأنهار واللذّة دون أن يقصدوا لقاء الله تعالى ، سوف لن يمّحون في جمال الحضرة الأحديّة ، وسيخلّدون في تلك المشتهيات والأماني . إنّ للجنّة - كما سيأتي إن شاء الله تعالى - درجات ومقامات مختلفة ، وإنّ لأصحاب الجنّة درجات متفاوتة ، وإنّ كلًا منهم سيخلّد في مشتهياته ونواياه ، وبمقدار همّته وسعة صدره . وينبغي العلم بأنّ جميع الآيات الواردة في وصف خصوصيّات الجنّة

--> ( 1 ) - الآية 34 ، من السورة 39 : الزمر . ( 2 ) - الآية 71 ، من السورة 43 : الزخرف . ( 3 ) - الآية 31 ، من السورة 41 : فصّلت . ( 4 ) - الآية 102 ، من السورة 21 : الأنبياء .