السيد محمد حسين الطهراني
15
معرفة المعاد
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ ، وَقَالَ الَّذِينَ اوتُوا الْعِلْمَ وَالإيْمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتَابِ اللهِ إلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ . « 1 » لقد أخطأ المجرمون في ظنّهم ، لأنّهم قيّدوا أنفسهم في الدنيا وقصروا أبصارهم وانتباههم على الساعات التي انهمكوا فيها بالأفكار الشيطانيّة والهواجس النفسانيّة واللذائذ الحيوانيّة البهيميّة ، ولم يوسّعوا أفق أفكارهم وأبصارهم أبعد من ذلك ، بحيث يتطلّعون إلى ما قبل مجيئهم إلى الدنيا ، وإلى ما بعد رحيلهم عنها ، ليدركوا - بحسب السيطرة على الزمان - هذا الأمد المتطاول والمدّة المديدة . فهم لم يشاهدوا إلّا الساعة الفعليّة التي سرعان ما تأتي وتمرّ ، فصاروا يُقسِمون يوم الحشر أن : ما لبثنا في الدنيا غير ساعة . أجل ، لو قايسنا بين فترة الحياة الدنيويّة وبين الدهر ، لكانت مدّة الدنيا ضئيلة وقليلة جدّاً ، ولأمكن القول حقّاً بأنّها ليست أكثر من ساعة واحدة . إلّا أنّ أولئك المجرمين لم يقصدوا بمقولتهم هذه النسبة ، وإلّا لصدق قولهم . ونرى أنّهم لم يقصدوا بقولهم هذا الأمر ، لذا فقد عوتبوا على كلامهم ، وعدّ قولهم بأنّهم لم يلبثوا غير ساعة إفكاً وكذباً . لكن عمر الإنسان - كما سبق أن ذكرنا - وقياساً إلى امتداد الزمان والدهر ، لا يمثّل إلّا ساعة واحدة ؛ قال تعالى : كَأنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ . « 2 » وقال تعالى : قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ، قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً
--> ( 1 ) - الآيتان 55 و 56 ، من السورة 30 : الروم . ( 2 ) - الآية 35 ، من السورة 46 : الأحقاف .