السيد محمد حسين الطهراني
104
معرفة المعاد
دَهَقَ يَدْهَقُ دَهْقاً : ملأ الكأس ، ودهاقاً كأساً ممتلئة طافحة . أمّا كِذَّاباً فمن مصادر كَذَبَ يَكْذِبُ . ويستفاد من هذه الآيات أنّ الجنّة هي مقام الصدق والأمانة والتقوى وزوال الشكوى من آثار ومظاهر عالم الخلقة ( وهو مخلوق للّه تعالي ) ، وحفظ مقام جلال وعظمة وابّهة الربّ ذي الجلال . وهو مقام لا يتسرّب إليه اللغو والباطل والكذب والذنوب ، ولا يعتريه نقص ولا فتور ولا عيب . مقامٌ شرابه يُسكر بجمال الله وصفاته وأفعاله ، لكنّه لا يسبّب الصداع للشاربين ولا يذهب بعقولهم . وهو بذاته الشراب الطهور المذكور في سورة الدهر . كما أنّ طعام الجنّة طعام لا يُثقل المرء ولا يستدعي فتوره ؛ ولا يعقب نكاح الجنّة أي فتور وارتخاء . كلّ ما في الجنّة عشق ولذّة وسرور وحبور . وعلّة ذلك في عدم وجود سبيل للعدم والنقصان والفناء في الجنّة . وحين نلاحظ أنّ النكاح أو تناول الأطعمة والأشربة اللذيذة في هذا العالم يبعث على لذّة ضعيفة وله تأثير ضعيف آنيّ ، فإنّما يكون ذلك بسبب نقصان هذا العالم . نِعَم الجنّة خالدة بلا نقصان ولو فرضنا أنّ انعدام جهات النقص في هذا العالم فسوف لن يتبدّل كلٌّ من البهجة والسرور إلى انقباض وسوء في الحال ، ولاتّسمت كلّ لذّة حاصلة بالبقاء والخلود ، فلا يشوبها والحال هذه أي شيء من الفتور أو القصور أو النقصان . وبعبارة أوضح ، فإنّ النقصان والعيب والمرض والموت والفتور هي أمور معلولة لثقل المادّة . أمّا في عالم القيامة فليس للمادة ثقل ، وهو عالم تحلّق فيه الحور العين فيطوين في طرفة عين واحدة جنّةً سعتها سعة السماوات والأرض ، وعالم لا ثقل لطعامه ، وعالمٌ يعرق ساكنوه فيفوح