السيد محمد حسين الطهراني
85
معرفة المعاد
في الفناء في الله والبقاء بالحقّ سبحانه وتعالى هو مقام رفيع شامخ ذو سعة وعموميّة يجعل جميع الأنبياء والمرسلين يلوذون به ويحتاجون شفاعته . وليس هذا المقام درجة اعتباريّة ، بل هو واقع ووجود موهوب ومكتسب منَّ الله تعالى به على نبيّه ، وهو ما يمثّل رحمة الحقّ الواسعة والنَّفَس الرحمانيّ والحجاب الأقرب الذي هو المحمود المطلق . ويمكن استفادة هذه الحقيقة من آيات القرآن الكريم ، إذ جاء فيها : يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عن مَّوْلًى شَيْئاً وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ، إلَّا مَن رَّحِمَ اللهُ . « 1 » وهذه الرحمة المستثناة هي الإذن المستثنى في الآيات الأخرى ، فيتبيّن أنّ ما ندعوه بالشفاعة قائم بالرحمة ، وأنّ الرحمة هي حقيقة الإذن ، وأنّها هي التي توجب الشفاعة . ويمكن إدراك هذه المعنى بصورة مجملة من الآية : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ . . . الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيّ الامِّيّ . « 2 » لأنّ تلك الرحمة الخاصّة بالمتّقين ذات ميزة خاصّة ، وربّما كانت تلك الميزة هي الفناء . ومن جهة أخرى فقد جاء : وَمَا أرْسَلْنَاكَ إلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ . « 3 » فهذه الآية تتضمّن كلاماً مطلقاً يفيد بأن رسول الله صلّى الله عليه وآله يمتلك من قِبل الحقّ مقاماً أعلى وأسمى من الشفاعة ، وهو مقام الإذن المطلق الذي تليه الشفاعة وتحصل بسببه . ومن هنا ، فالنبيّ هو شَفِيعُ الشُّفَعَاءِ ، كما أنّه - كما سبق أن ذكرنا في
--> ( 1 ) - الآيتان 41 و 42 ، من السورة 44 : الدخان . ( 2 ) - الآيتان 156 و 157 ، من السورة 7 : الأعراف . ( 3 ) - الآية 107 ، من السورة 21 : الأنبياء .