السيد محمد حسين الطهراني

82

معرفة المعاد

سبحانه . ولقد سار الأنبياء والمقرّبون على جادّة الطهارة والعبوديّة الخالصة ، ولم يتخطّوا تلك العبوديّة قيد شعرة ؛ وكان علم الخالق الذي أشرق عليهم كالأمانة التي استؤمنوا عليها من عند ربّهم ، ليعيدوها في خاتمة المطاف كاملةً مختومة إلى صاحبها . لذا ، فلا تراهم ينسبون ما هو إلى ربّهم إلى أنفسهم أبداً . وعليه ، فمقام الشفاعة المستلزم للشهادة وصدق القول والعلم والشهود والوجدان ، إنّما يقوم على أساس ذلك الميعاد والميثاق : لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً . « 1 » ونلحظ - بناءً على هذا الأساس المتين - أوُلئك الأنبياء الذين يسألهم ربّهم عمّا أجابت به أممهم ، وهم يعدّون تلك الإجابة من الغيب ، ثمّ ينفون علم الغيب عن أنفسهم ويعتبرونه مختصّاً بالله وحده . وهذا هو العلم الفنائيّ الذي تطرّقنا إليه في بحث الشهادة ، وهو من العلوم الخارجة عن دائرة علومنا ومستوى أفكارنا وأحاسيسنا . ومن خلال تفسير آية : وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ، يتّضح أنّه ينبغي لهذه الشفاعة أن تعدّ قائمة على أساس الشهادة ، كما أنّ الشهادة القائمة على أساس الشهود والحضور الحقّ والعلم بالمغيّبات لن تتحقّق بدون الفناء في الله سبحانه . كما يتّضح - على نفس الأساس - أنّ الشفاعة هي نحوٌ من التصرّف في الأعمال ، وتبديل السيّئات إلى حسنات ، أو محو للسيّئات أو تكفيرها وغفرانها ، أي سترها وتغطيتها . ولهذه الجهة فقد نسبها الله تعالى إلى نفسه في قوله :

--> ( 1 ) - الآية 87 ، من السورة 19 : مريم .