السيد محمد حسين الطهراني
73
معرفة المعاد
فهل يمكن اعتبار الصراط والسبيل والسبل في هذه الآية بمعنى الطرق المادّيّة الطبيعيّة ، والقول بأنّ المراد بذلك الجادّة ، لأنّ الجادّة مستقيمة ومعبّدة ، في مقابل الطرق المعوجّة غير المعبّدة ؟ من المسلّم أنّ هذا الصراط وهذا السبيل أمران معنويّان ، وأنّهما كناية عن كشف الحجب عن العبد ووصوله إلى مقام العزّ الشامخ للحقّ تعالى من خلال العمل بالقرآن والسنّة واتّباع نهج النبيّ العظيم الشأن . ولو قلتم - مثلًا - بأنّ لديكم محاكمة غداً ، وإنّها عقبة يتوجّب عليكم اجتيازها ، فما ذا سيكون مرادكم - يا ترى - من تلك العقبة ؟ أهناك في جلسة المحاكمة جبل يتوجّب اجتياز عقبته ؟ أم أنّ المراد بذلك هو تمكّنكم من الإجابة بصورة مقنعة ، واستطاعتكم الدفاع عن حقّكم ؟ تجسّد المعاني المعقولة بالصور في عوالم الصورة وعلى أيّة حال فإنّ جميع هذه الموضوعات هي من باب تشبيه المعقول بالمحسوس ، أو من باب استعمال الألفاظ في معانيها الحقيقيّة بناءً على قولنا بأنّ الألفاظ قد وُضعت للمعاني العامّة . وعلى هذا الأساس فإنّ العقبة لا تعني عقبة الجبل ، كما أنّ العرش لا يعني الكرسي الخشبيّ أو الذهبيّ ؛ بل العقبة بمعنى الضائقة مادّيّةً كانت أو معنويّة . كما أنّ العرش بمعنى محلّ الحكم ، سواءً كان ذلك العرش خشبيّاً أم ذهبيّاً أم كان إحاطةً وهيمنةً مثاليّة وبرزخيّة ونفسيّة وقيامتيّة . والعلّة في ذلك أنّهم لمّا أرادوا بيان تلك المعاني المعقولة ، فإنّهم لم يجدوا مناصاً من استعمال هذه الألفاظ المتداولة المستعملة في المعاني المحسوسة ، فعبّروا عن تلك المعاني بقالب الألفاظ المتداولة . بَيدَ أنّ المجلسيّ - على أيّة حال - لم يتكلّم في هذا المجال على غير طائل . إذ من المسلّم بأنّ الموجود المادّيّ محسوس في هذا العالم ، وكثيراً ما يحصل أن تخرج بعض الأمور عن نطاق عالم المادّة وتدخل ضمن عالم المثال