السيد محمد حسين الطهراني
30
معرفة المعاد
وآية : إنَّ رَبَّكَ هُوَ أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى . « 1 » وآية : وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ . « 2 » أمّا الآن وقد اتّضحت هاتان المقدّمتان ، فنقول بأنّ صراط الله تعالى هو السبيل إليه . ولأنّه عزّ وجلّ ليس له مكان خارجيّ ، فإنّ المقصود من السبيل - إذاً - هو السبيل من النفس لمعرفة ذات الله القدسيّة جلّ جلاله . فالإنسان يمتلك حالات روحيّة مختلفة من بداية عمره إلى آخر لحظة من حياته ، كما يمتلك حركات نفسانيّة وملكات أخلاقيّة نشأت من تكرار أعماله وحالاته . فهو ينتقل باستمرار من صورة إلى صورة ، ومن حالٍ إلى أخرى ، ومن عقيدة إلى أخرى ، ومن كمال إلى آخر ، حتّى يصبح من المقرّبين والسابقين . فإن أخذت العناية الإلهيّة بيده ، صار من الكاملين . وإن كان من المتوسّطين ، صار من أصحاب اليمين . أمّا لو قاده الشيطان والنفس الأمّارة ، صار من الأشقياء وأصحاب الشمال . على أنّ في وجدان وباطن نفس كلّ فرد من أفراد البشر طريقاً إلى الله تعالى ، كما أنّ جميع الأعمال التي يقوم بها في الظاهر ، إنّما يقوم بها وفق خطّته الباطنيّة . ويُدعى ذلك الطريق الباطنيّ بالصراط . وباعتبار أنّ كلّ فرد من الأفراد يمتلك صفاتاً وملكات وغرائز خاصّة ، ويمتلك - في النهاية - عقائد وشاكلة ومنهاجاً يختصّ به ؛ فإن لكلّ فرد طريقاً خاصّاً إلى الله تعالى . ويتّضح على هذا الأساس بجلاء معنى الكلام المعروف : الطُّرُق إلَى اللهِ بِعَدَدِ أنْفَاسِ الخَلائِقِ .
--> ( 1 ) - الآية 30 ، من السورة 53 : النجم . ( 2 ) - الآية 86 ، من السورة 7 : الأعراف .