السيد محمد حسين الطهراني

23

معرفة المعاد

أن يسعه المجال لتحقيقه ، ودون أن يُلقي إليه بالًا ، بحيث لم يسعه الوقت ولا الحال طوال سنة كاملة ليقول جملة واحدة : ( أريد كبداً مشويّة ) . وبعد مرور سنة ، وعند الإفطار يرى خليفة الإسلام ما اشتهاه ماثلًا أمامه ، لكنّه يعتبر مدّ يده إليه لانتزاع لقمة منه - مع وجود سائل يطرق الباب - انشغالًا بالحياة الدنيا ، واستمتاعاً بالطيّبات في الحياة الحيوانيّة ، وتنزّلًا عن مقام الإنسانيّة ، فيُعرض عنها دون أن يأمر ابنه بإعطاء السائل نصفها ، بل يقول له : احملها إليه ! فليأكل السائل هنيئاً مريئاً ، ولنتفرّج نحن ! هذه هي الحياة العليا ، وهذه هي الحياة الرفيعة السامية ، وهذه هي حياة الإنسان وتواجده في صراط الإنسانيّة المستقيم : أن يؤثر المرء على نفسه ، فيُعرض عن طعامه الذي اشتهاه طوال سنة ، وصار يراه الآن ماثلًا أمامه على مائدة فطوره ، ويُعطيه للسائل . هذا هو الصِّراطُ المُستَقيم . اقسم بالله عليكم ، لو فكّرتم من الآن إلى يوم القيامة ، فهل ستعرفون صراطاً أكثر استقامة من هذا الصراط ؟ أوَ يمكنكم أن تتصوّروا في ذهنكم أفضل منه وأحسن ؟ ! إنّني كلّما تأمّلت في هذه القصّة ونظائرها التي ملأت بحمد الله ومنّه صفحات تأريخنا وعطّرتها بسيرة ذلك الإمام وسائر الأئمّة الطاهرين ؛ وقارنتُ ذلك بأسلوب معيشة خلفاء الإسلام الجائرين أمثال بني أُميّة وبني العبّاس ممّن تسلّطوا على رقاب الناس باسم الإسلام وعنوان خلافة رسول الله ، غمرتني الحيرة والعجب الشديدينِ .