السيد محمد حسين الطهراني
16
معرفة المعاد
مراحل حياته الكريمة . وتأمّلوا كم كان لطيفاً وعميقاً ودقيقاً ! وكم كان قاطعاً محتاطاً مراقباً ! ومن الطبيعيّ أن لا يهوي الإنسان في جهنّم بانحراف بسيط ، بَيدَ أنّه بذلك لا يعطي حقّ ذلك الصراط المستقيم المتناهي الدقّة وبمقدار انحرافه يقلّ حظّه في الانتفاع من الصراط المستقيم . وكلّما زاد الانحراف زاد الخطر الذي يواجهه ، وقلّت استفادته من هذه الخصوصيّة للاستقامة في الطريق . وهذا الصراط المستقيم هو الذي يقول عنه الإمام الباقر عليه السلام بأنّه أدقّ من الشعرة وأحدّ من السيف ، والذي يختلف عبور الناس عليه ما بين البرق الخاطف وسرعة الريح وحضر الفرس وكالراكب وكشدّ الرجل ومشيه ، وذلك بنفس درجة انحراف سلوكهم ونهجهم عن سيرة الإمام ونهجه . وحقيقة المطلب أنّه لا بدّ للإنسان أن يعيش في هذه الدنيا ، ثمّ يتخطّاها إلى العوالم الأخرى ، فإذا عاش مقتدياً بالأنبياء والأئمّة الطاهرين في صدق وأمانة وتوحيد ، فقد عبر الدنيا عبوراً حسناً ، وإلّا فقد خسر ، لأنّ الصراط هو الصورة الواقعيّة الحقيقيّة للإنسانيّة ، وحقيقة تلك الصورة سيرة عليّ بن أبي طالب ونهجه . لقد عمل أمير المؤمنين عليه السلام في الزراعة ، حيث زرع البساتين وحفر قنوات المياه وغرس النخيل ، إلّا أنّه بقي طاهراً مطهّراً من الرجس ، تزوّج وأنجب وبقي الطُّهر الطاهر ، تسلّم منصب الحكم ولم يتدنّس بالأنجاس . هذا بالإضافة إلى الأعمال الأخرى التي كان يقوم بها كبقيّة الناس ، ومع ذلك فله نهجه المختلف عنهم ، إذ لم تكن له نيّة أو غرض أو قصد إلّا نفس تلك الأعمال خالصة للّه سبحانه وتعالى ، أمّا الناس فيعملون نفس الأعمال ولكن بنوايا عدّة . وهذا هو مفترق الطريق ما بين