السيد محمد حسين الطهراني
36
معرفة المعاد
- إذاً - نبدّلكم ونبدّل الرداء الذي ترتدونه ونسوقكم للأمام حتّى نوصلكم إلى حيث : وَنُنْشِئَكُمْ فِيمَا لَا تَعْلَمُونَ ؛ إلى حيث لا تعلمون أصلًا ما الذي سيحدث ، ونبدّلكم في تلك الخلقة . وهنا أسرار جمّة ، إلّا أنّ الإنسان الغافل يتخيّل أنّ الموت يعني الفناء والانعدام ، لأنّه يتصوّر أنّ وجوده ليس إلّا هذا البدن ، وأنّ جميع مراتب وجوده منحصرة في البدن ، هذا البدن الذي يُدفن تحت الأرض فيصبح رميماً ، فليس هناك - إذاً - من خبر ! لكنّ الأمر ليس كذلك ، إذ إنّ الإنسان يعود إلى الله تعالى ، ومعاده يحصل بجميع أرجاء وجوده ، فهو يعود بروحه ويعود ببدنه أيضاً . ومن ثَمَّ ، وكما أنّ روح الإنسان تعود إلى الله سبحانه ، فإنّ بدنه يعود هو الآخر ، ويجب ألّا يعجب الإنسان من كيفيّة إحياء الله الموتى ، فهذا الأمر - كما ذكرنا سابقاً - ناشئ من التوهّم الباطل . ويتلخّص إشكال الطبيعيّين من الزمان السابق إلى يومنا هذا في جملة واحدة وهي مجرّد الاستبعاد . وَضَرَب لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِ الْعِظَامَ وَهي رَمِيمٌ ، قُلْ يُحْيِيهَا الذي أنشَأهَآ أوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ . « 1 » لقد ذهب ذلك الأعرابيّ وسط المقبرة ، فتناول عظماً باليا وجاء به عند رسول الله ، ثمّ فتّه بيده ونثره على الأرض أمام رسول الله وقال : يا محمّد ! أتزعم أنّ الله يبعث هذا ؟ ! لكنّ هذا الرجل المسكين نَسِيَ خَلْقَهُ . هذا الإنسان الذي يهزأ بنا ، فيُلقي برميم العظام على الأرض ويعجب من تقدير قدرتنا ، أن كيف في قدرتنا مثل هذه القوّة التي يمكننا بها إحياء ذلك العظم ، لكنّه نسي نفسه . من أيّ شيء كان ؟ وأيّ مراحل طواها حتّى صار إنساناً ؟ وما كانت
--> ( 1 ) - الآيتان 78 و 79 ، من السورة 36 : يس .