السيد محمد حسين الطهراني

20

معرفة المعاد

ذلك الموجود . وعلى سبيل المثال فأنا الآن مشغول في الحديث ، وهذا التحدّث هو إذن الله تعالى فيّ ، وإلّا لما تحرّ كت شفتي . فما الذي يعنيه الإذن ؟ أهو بمعنى أنّ الله قد قال لي : إنّي اجيزك بالحديث . فأجبتُه بالقبول لفظاً ؟ كلّا ، ليس هذا معنى الإذن ، وإلّا فإنّنا نرى الكثيرين يعملون دون هذا الإذن اللفظيّ ، فيجب - إذاً - أن يكون عمل أولئكم دون إذن الله تعالى . مع أنّنا نعلم أنّ ورقة لا تسقط من الشجرة دون إذنه سبحانه . فمعنى الإذن هو أنّ الله قد خلقنا ومَنّ علينا بالإدراكات ، وخَلَق أجزاء بدننا وأعضاءنا وجوارحنا ، وعيّن قوانا وقابليّاتنا بحيث إنّ هذه الجهات والمعاني يمكنها في شرائط خاصّة أن تدرك المعاني الكلّيّة بإذن الله وتجلّيه وبقوّته وحوله ورحمته ، وأن تصبّ تلك المعاني - من ثَمّ - في قالب الألفاظ ، فتلقيها بصورة منتظمة مرتّبة . واللهُ في كلّ حال مهيمن على جميع هذه الأمور ، تفيض هذه المعاني وهذه الألفاظ من معدن وجوده وعلمه على هذا الفكر ، فتسري إلى الخارج . هذا هو معنى الإذن ، ولولا ذلك لما كان للشفة قدرة على الحركة ولو انقضى عليها ألف سنة ، فهي قد تحرّ كت حين تحركت بإذن الله . فما الذي يعنيه ذلك ؟ أي أنّه ما لم تحصل جميع الأسباب والشروط التي قرّرها الله سبحانه وما لم تتعلّق إرادته تعالى بإيجاد موجود من هذه الأسباب والشرائط والمقدّمات ، لما حصل إذنه سبحانه . افرضوا أنّنا نضع ساعة ونضع لها زجاجة وعجلة مسنّنة ورقّاصاً وعقرباً ولولباً ، ونراعي في صنعها جميع الجهات ، لكنّ هذه الساعة لا تتحرّك ، فلما ذا يا ترى ؟ ذلك لأنّ أحد المسامير اللولبيّة لم يثبّت جيّداً