السيد محمد حسين الطهراني

74

معرفة المعاد

والمعلولات والأسباب والمسبّبات قد حبست الإنسان في أغلال التعيّن والتقيّد ، فلم تدعه يشاهد جمال الأحديّة واضحاً جليّاً في الموجودات بأسرها . إن الأفكار التي تغلب على الإنسان في عالم الحسّ والمحسوسات هذا ، وغرائزه التي تخرج عن حدّ الاعتدال ، كالشهوة والغضب والوهم ، تُغرقه في عالمٍ من الوهم والخيال يفصله عن إدراك الحقيقة ، إذ إنّ هذا الوهم والخيال معاكس للحقيقة ومخالف لها . وعندما يعزم على السفر ويشدّ رحاله ، فإنّ هذه التخيّلات والأوهام ستحترق وتزول ، وتنكشف له تلك الحقائق . فهذه التخيّلات هي أوهام هذا العالم الذي نشأت فيه خلافاً لأصالة الواقع ، وكان لها جانب وجه الخلق ؛ أمّا تلك الحقائق فترجع إلى ذلك العالم ولها جانب وجه الله . على أنّ حقيقة الموجودات واحدة لا أكثر ، لأنّ التشخّص ملازم للوحدة . فكلّ شخص من الموجودات والأشياء واحد ، وجانبا وجه الخلق ووجه الله اعتباران لا ينافيان تشخّص تلك الأشياء . ولأنّ أحدهما ظاهر فإنّ الآخر خافٍ كامن ، اللهم إلّا للأفراد الذين وصلوا إلى مقام جمع الجمع وصاروا يحفظون الباطن والظاهر بملاك الباطن والظاهر تماماً . وعلى كلّ حال فإنّ الإنسان ينظر حيناً إلى الموجودات في هذا العالم بنظر الاستقلال ، ويرى أنّ كلًا منها مؤثّر وفاعل ؛ وينظر حيناً آخر إليها على أنها قائمة بالله تعالى ، وأنّ الله قيّوم عليها ؛ وأن لا موجود قيّوماً في العوالم كلّها إلّا الله . فهذا هو وجه الله ووجه الربّ الوارد في قوله : وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالإكْرَامِ .