السيد محمد حسين الطهراني

39

معرفة المعاد

باقٍ لا يزول . وهذه النتيجة تستند إلى الآيات التي ذكرناها إذ ليس هناك موجود إلّا وفيه وجه الله ، لأنّ وجه الله موجود في كلّ موجود . وأنّ كلّ موجود لا يوجد حتّى يكون فيه عنوان وجه الله ، اي : حتّى يكون فيه ارتباطه الملكوتيّ بالله تعالى ، فوجود الموجود مرتبط بالجانب الملكوتيّ والوجه الإلهيّ . وعليه فإنّ وجه الله موجود في الموجودات برمّتها . فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ . « 1 » ومن ذلك المنظار فإنّها لا فناء لها ولا بطلان . الروايات الواردة في فناء الوجه الخلقيّ وبقاء الوجه الربّيّ وقد وردت روايات تثبت الوجود للموجودات ، للسماء والأرض ، والزمان في الوقت الذي تدلّ فيه على زوال هذه الموجودات عند حلول القيامة وتجلّيها . فهي تقول إنّها موجودة في نفس الوقت الذي تقول إنّها معدومة . فهو وجود - إذَن - في عين الفناء والعدم ، وعدم وفناء في عين الوجود والأصالة . وهذه مسألة جديرة بالتأمّل والدقّة ، وينبغي الالتفات جيّداً إلى أمر معيّن ، وهو : ما مفاد ومفهوم هذه الروايات ؟ يقول أمير المؤمنين ضمن خطبة في نهج البلاغة : وَإنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَعُودُ بَعْدَ فَناءِ الدُّنْيَا وَحْدَهُ لَا شَيءَ مَعَهُ ، كَمَا كَانَ قَبْلَ ابْتِدَائِهَا ، كَذَلِكَ يَكُونُ بَعْدَ فَنَائِهَا بِلَا وَقتٍ وَلَا مَكَانٍ وَلَا حِينٍ وَلَا زَمَانٍ . عُدِمَتْ عِنْدَ ذَلِكَ الآجَالُ وَالأوقاتُ ، وَزَالَتِ السُّنُونُ وَالسَّاعَاتُ . فَلَا شَيْءَ إلَّا الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ، الَّذِي إلَيْهِ مَصِيرُ جَمِيعِ الامُورِ . « 2 » فأمير المؤمنين عليه السلام يقول هنا : إنّ الله سيكون وحده لا شيء معه ، كما كان من قبل وحده لا شيء معه ، وإنّ الساعات والحين والأجل

--> ( 1 ) - الآية 83 ، من السورة 36 : يس . ( 2 ) - « نهج البلاغة » ج 1 ، ص 359 و 360 ، الخطبة 184 ، طبعة محمّد عبده - مصر .