السيد محمد حسين الطهراني
17
معرفة المعاد
إن جميع سلسلة العلل والمعلولات في هذه الدنيا تنجز عملها بدقّة ونظام فائقين ، فالأبوان ، والرفيق ، والشريك ، والزوجة ، والولد ، والرئيس ، والحاكم ، والأرض ، والمطر ، والنهر ، والشمس ، والقمر ، والنجوم ، وحركة جزر البحر ومدّه وغيرها ، يحتلّ كلّ منها مكانه اللائق به ، ولها تأثيرها في تأمين حياتنا ، ولو زالت حلقة واحدة من هذه السلسلة ، ومن هذه الروابط في الأسباب والحوادث ، لدّمّر العالم وآل أمره إلى العدم . هذه هي وجهة الخلق ؛ أمّا الوجهة الإلهيّة فهي الارتباط الكامل لهذه السلسلة ولكلّ حلقة من حلقاتها بالله تعالى ، حيث إنّ نور التوحيد وحده هو الذي يشعّ من سرادق عالم الغيب على هذه الهياكل ، وهو المسيّر لعمل عالم الوجود ، فهذه السلسلة برمّتها مأمورة بأمر الله ، مطيعة لأمره ، ومظاهر آيات جماله وجلاله . والوَجْهُ الإلهيّ هذا هو المُشاهد والمحسوس في القيامة ، أمّا الوجه الخلقيّ فباطل وسراب زائل . علّة ظهور نور التوحيد يوم القيامة فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . « 1 » إن أهل الدنيا غافلون عن هذه الحقيقة لانغمارهم في الطبيعة وأُنسهم بالأسباب والمسبّبات . أمّا حين يردون إلى عالم القيامة حيث لا أثر لهذه الطبيعة وللأسباب والمسبّبات ، فإنّهم سيفهمون لبّ الحقيقة ومغزاها : كَانَ اللهُ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ . وجليّ أنّ الأفعال التي تُنسب إلى الله ثابتة ودائمة ومستمرّة ، فلا معنى في عالم الالوهيّة للماضي والمضارع . لذا فإنّ جملة وَالآنَ كَمَا كَانَ تُستنتج من نفس هذا الحديث الشريف ، فلا حاجة بنا إلى حديث آخر .
--> ( 1 ) - الآية 83 ، من السورة 36 : يس .