السيد محمد حسين الطهراني

4

معرفة المعاد

والحصى بريق ولمعان يخاله الناظر من بعيد ماءً ، فإذا اقترب منه تبيّن أنه ليس ماءً حقيقيّاً ، بل كان ماء خياليّاً موهوماً . يقول تعالى في هذه الآية إنّ الجبال تصبح سراباً ، اي : باطلًا ووهماً ؛ مع أنّ الجبال لو سُحقت وذُرّت بين السماء والأرض كالعهن المنفوش ، ولو صُبّت في البحار ، فإنّها - مع ذلك كلّه - لن تكون باطلًا ووهماً ، بل هي حقيقة خرجت من صورة إلى صورة أُخرى . إن الآية التي ذُكرت في مطلع البحث هي الآية التالية لآية نفخ الصور : وَيَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزِعَ مَن في السَّمَوَاتِ وَمَن في الأرْضِ إلَّا مَن شَآءَ اللَهُ وَكُلٌّ أتَوْهُ دَاخِرِينَ ، وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ . « 1 » ولمّا كانت هذه الآية تالية لآية نفخ الصور ، فإنّها تريد عرض منظرٍ من مناظر القيامة ، وهو منظر سير الجبال . وإذا كان هذا السير حقيقيّاً ، فإنّ ذلك الزمان الذي تنفطر السماء فيه ، وتنشقّ الأرض وتفور البحار ويتصاعد اللَهب منها ، وتحينُ زلزلة الساعة فتزلزل الناس بشدّة بحيث تذهل كلّ مرضعة عمّا أَرضعت ، وتضع كلّ ذات حمل حملها ، هو زمان ليس فيه من معنى ل - « وتحسبها جامدة » . ذلك أننا نعلم أنّ الجبال في حركة وسير وارتعاش وتزلزل واندكاك . وحينئذٍ ينبغي له أن يقول : وَتَرَى الْجِبَالَ مُتَحرّكَةً مُتَزَلْزِلَةً لَا تَسْتَقِرُّ بِشَيْءٍ . فيتّضح من قوله : وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ، أنّ الجبال قد حفظت ظاهرها ، وأنها تستقرّ في أماكنها بصلابة

--> ( 1 ) - الآيتان 87 و 88 ، من السورة 27 : النمل .