السيد محمد حسين الطهراني
21
معرفة المعاد
أمَّا بَعْدُ ؛ فَإنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أبْوَابِ الْجَنَّةِ فَتَحَهُ اللهُ لِخَاصَّةِ أوْلِيائِهِ ، وَهُوَ لِبَاسُ التَّقْوَى وَدِرْعُ اللهِ الْحَصِينَةُ وَجُنَّتُهُ الْوَثِيقَةُ . فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ ألْبَسَهُ اللهُ ثَوْبَ الذُّلِّ وَشَمْلَةَ الْبَلَاءِ ، وَدُيِّثَ بِالصَّغَارِ وَالقَمَاءَةِ ، « 1 » وضُرِبَ على قَلْبِهِ بِالإسْهَابِ ، « 2 » وَادِيلَ الْحَقُّ مِنْهُ بِتَضْيِيعِ الْجِهَادِ ، وَسِيمَ الْخَسْفَ وَمُنِعَ النَّصَفَ . ألَا وَإنِّي قَدْ دَعَوْتُكُمْ إلَى قِتَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَيْلًا وَنَهاراً وَسرّاً وَإعْلَاناً ، وَقُلْتُ لَكُم اغْزُوهُمْ قَبْلَ أنْ يَغْزُوكُمْ ، فَوَ اللهِ مَا غُزِيَ قَوْمٌ في عُقْرِ دَارِهِمْ إلَّا ذَلُّوا . فَتَواكَلْتُمْ وَتَخَاذَلْتُمْ حَتَّى شُنَّتْ عَلَيْكُمْ الْغَارَاتُ وَمُلِكَتْ عَلَيْكُمُ الأوطَانُ . وَهَذَا أخُو غَامِدٍ وَقَدْ وَرَدَتْ خَيْلُهُ الأنْبَارَ ، وَقَدْ قَتَلَ حَسَّانَ بْنَ حَسَّانَ الْبَكْرِي وَأزَالَ خَيْلَكُمْ عَنْ مَسَالِحِهَا . وَلَقَدْ بَلَغَنِي أنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ على الْمَرْأةِ الْمُسْلِمَةِ وَالاخْرَى الْمَعَاهِدَةِ « 3 » فَيَنْتَزِعُ حُجُلَهَا وَقُلُبَهَا وَقَلَائِدَهَا وَرُعُثَهَا ، مَا تَمْتَنِعُ مِنْهُ إلَّا بِالاسْتِرْجَاعِ وَالإسْتِرْحَامِ ، ثُمَّ انْصَرَفُوا وَافِرِينَ ، مَا نَالَ رَجُلًا مِنْهُمْ كَلْمٌ وَلَا ارِيقَ لَهُمْ دَمٌ . فَلَوْ أنَّ امْرِءاً مُسْلِماً مَاتَ مِنْ بَعْدِ هَذَا أسَفاً مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدِي جَدِيراً . فَيَا عَجَباً وَاللهِ يُمِيتُ الْقَلْبَ وَيَجْلِبُ الْهَمَّ اجْتِمَاعُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ على بَاطِلِهِمْ وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ ، فَقُبْحَاً لَكُمْ وَتَرَحاً حِينَ صِرْتُمْ غَرَضاً يُرْمَى ، يُغَارُ عَلَيْكُمْ وَلَا تُغِيرُونَ ، وَتُغْزَونَ وَلَا تَغْزُونَ ، وَيُعْصَى اللهَ وَتَرْضَوْنَ .
--> ( 1 ) - ديث اي ذُلّل ، ومنه الديوث الذي لا غيرة له ؛ والصغار : الذلّ ؛ القماءة من قمؤ الرجل قماء وقماءة أي صار قمياء وهو الصغير الذليل . ( م ) ( 2 ) - الأسهاب : ذهاب العقل ، وهو لفظ « شرح النهج » ، أمّا ف - « نهج البلاغة » طبعة محمّد عبده فقد ورد بلفظ الأسداد اي الحُجب . ( م ) ( 3 ) - المعاهدة : الذميّة .