السيد محمد حسين الطهراني

100

معرفة المعاد

أَوّلًا : لما ذا كان أمير المؤمنين عليه السلام يشفق على قاتله ويداريه إلى هذا الحدّ ؟ وثانياً : لما ذا لم يعفو الإمام الحسن عليه السلام عن القاتل ، بل اقتصّ منه ؟ بديهي أنّ الإجابة واضحة فنحن نعلم أنّ أعمال أمير المؤمنين عليه السلام لا تدور على محور تشفي الخاطر الشهويّ أو الغضبيّ ، ولا على أساس الحسد والحقد والطمع والبخل ، بل إنّ جميع أفعال الإمام ذي الصدق والاستقامة كانت وفقاً للحقّ والتقوى وطهارة الباطن ، بل إنّها كانت أفضل وأسمى أمثلة الكتاب الإلهيّ ومعلّم البشريّة . فقد ورد في موضع من القرآن الكريم : وَإنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ . « 1 » لذا ، فعمل أمير المؤمنين بهذه الآية المباركة وهو أمير المؤمنين وقدوتهم ، هو النموذج الأوحد والمثال الأبرز الأجلى ، والتدبير الحكيم . « 2 »

--> ( 1 ) - الآية 126 ، من السورة 16 : النحل . ( 2 ) - حين يروي ابن عبّاس عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أنه قال : ما أنزل اللهُ آية فيها « يَا أيهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا » إلّا وعليُّ رأسُها وأميرُها . أي أنّ أمير المؤمنين له الإمارة والرئاسة على جميع المؤمنين في الخطابات والتكاليف الواردة لهم ، وهذه الرئاسة ليست عنواناً اعتبارياً ، بل على أساس الملكات الشريفة الموجودة فيه عليه السلام . لذا فإنّ له الرئاسة والإمارة أيضاً في مفاد هذه الآية الشريفة « وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به » أي أنه في تحقّقه بهذا المقام أمير العافين والصابرين . ولو لم يقدّم العفو ويفضّله ، ولو حكم بالقصاص بشكل جازم ، فإنّه إذا وُجد مِن أفراد الامّة منذ بداية الخليقة إلى يوم القيامة مَن يقدّم العفو في مثل هذا الظرف ، لصار إماماً - على وجه التحقيق في العمل بهذه الآية وفي تنفيذ هذا التكليف ، ولصار أمير المؤمنين مأموماً ؛ وليس الأمر كذلك . وهذه الرواية الواردة عن ابن عبّاس مرويّة في « حلية الأولياء » ج 1 ، ص 62 ؛ و « مطالب السؤول » ص 21 عن « الحلية » ؛ وفي « ينابيع المودّة » ص 212 .