السيد محمد حسين الطهراني
23
معرفة المعاد
في تلك الظروف بجرائمهم في الدنيا ، طالبون العودة للتدارك . لكنّ الدنيا هي عالم الطبع ، عالم الكون والفساد ، عالم ظهور القوى المادّيّة والشهوات والرغبات الغريزيّة والأهواء الطبعيّة ؛ وهي محلّ ظهور حسّ التفوّق والتكبّر وجمع الثروة والتكاثر في النساء والأولاد والاعتبارات ، وإلّا لما كانت دنيا . وعلى افتراض أنّ أولئك يريدون العودة إلى الدنيا ، فإن ذلك بصفة انحصار مجال التكامل والترقّي فيها . ولو أعادهم الله سبحانه إلى الدنيا ، لعادت نفوسهم إليها بوجوداتها الفعلية ، إذ لن يخلق الله لهم نفوساً زكيّة نقيّة طاهرة ليعودوا بها إلى الدنيا ، إذ إنّهم سيخرجون حينذاك عن ذواتهم ، وسيكونون موجودات أخرى لا علاقة لها بتلك الموجودات الأولى ، في حين أنّ شيئيّة الموجودات إنّما تتمثّل بصورها الملكوتيّة ، ووجود وشخصيّة كلّ إنسان بنفسه الناطقة لا ببدنه وجسمه ، ولا بالصور النوعيّة والكلّيّة الأخرى . ولو عاد أولئكم إلى الدنيا بنفوسهم تلك الموجبة لتشخّصهم ، لعادوا من جديد بواسطة هجوم الأهواء والغرائز ، وبعلّة ظهور وبروز الوجود الفعليّ من الغضب والشهوة والوهم وحسّ الأنانيّة إلى ارتكاب نفس الأعمال التي كانوا يفعلونها في الدنيا قَبلًا . وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ . « 1 » وفي ضوء ذلك فإنّ صدق كلامهم ليس قياساً إلى الدنيا وشرائطها ، بل قياساً إلى عالم البرزخ والشرائط البرزخيّة ، وأمّا قياساً إلى الدنيا فهو كلام مخالف للحقيقة تماماً . وسيتّضح عند نيل تلك الشرائط كيف سيعود هؤلاء إلى الذنب والاعتداء والشرك والاستكبار ، وتتجلّى طبيعة كذبهم
--> ( 1 ) الآية 28 ، من السورة 6 : الأنعام .