السيد محمد حسين الطهراني
60
معرفة المعاد
السرّ في ذلك إنّ معنى إطاعة المطيع للآمر المُطاع يتمثّل في تنصّل المرء من إرادته في العمل الذي أوكل إليه ، فلا اختيار له فيه ولا إرادة ، بل إنّ إرادة الآمر واختياره قد حلّا محلّها ، وهذا هو معنى الطاعة . فالطفل - مثلًا - حين يطيع أباه ، فإنه يُصغي إلى كلّ ما يقوله له ثمّ يعمل وفقاً له ، وللطفل اختيارات في مأكله ومشربه وملبسه ومحلّ استراحته ولعبه مع أترابه كثيراً ما تؤدي إلى الإضرار به أو إلى هلاكه ، فهو بطاعته لأبيه يتخلّى عن إرادته واختياره لتحلّ إرادة الأب واختياره بدلهما ، فيُقال عندئذٍ إنّ للأب مقام الولاية وللطفل مقام الطاعة . كما إنّ الطفل حينما يذهب إلى المدرسة فإنّه يضع نفسه ، في جميع حالاته وحركاته وسكناته تحت اختيار وإرادة أستاذه ، فيتعلّم تحت إشرافه . ومع إنّ الطفل يرغب في جميع الأحوال باللعب والعبث والعدو خلف رفيقه وفي تناول الحلويّات ، فهذا هو اختياره ، إلّا إنّ أستاذه يقيّده بالجلوس في الصفّ فيقوم بتعليمه ، وعلى الطفل في جميع هذه الحالات أن يطيع أمره ، فيقوم عوضاً عن إرادة اللعب وتناول الحلوى بإرادة كتابة ما يُعهد إليه وبالقراءة والمطالعة . كما إنّ مَن يطيعون الله ورسوله قد استبدلوا ونفّذوا في أذهانهم إرادة الله ورسوله بدل إرادتهم واختيارهم في جميع أمور المعاش والمعاد ، في الأمور الفرديّة والاجتماعيّة ، وفي أمور العبادات والمعاملات . وقد أثبتنا من جانب آخر إنّ أولياء الله هم أولئك الذين قدّموا لله كلّ ما يملكون ، وغرقوا في الأسماء الكلّيّة وصفات الحضرة الأحديّة ، فلا افتراق بينهم وبين خالقهم ، أولئكم الذين لا نفس لديهم ولا إنّيّة ولا شخصيّة ، كلّ ما هو موجود : الاندكاك في الأسماء الحُسنى والصفات