السيد محمد حسين الطهراني
38
معرفة المعاد
المقدّسة للحضرة الأحديّة بواسطة العقل الفعّال ، أو أن يكونوا قد تخطّوا العقل الفعّال وعبروا مراتب العقول فصاروا يأخذون علومهم بلا واسطة من ذات الحقّ كالعقل الأوّل بسبب اندكاكهم فيه . كما أنهم فازوا بالمرحلة الأخيرة من مراتب القوّة العمّالة والعقل العمليّ ، وهي التجلية والتخلية والتحلية والفناء ، وتحقّق في وجودهم المراحل الثلاث التي تسبقها . وطبقاً للآيات المباركة للقرآن الكريم التي بُيّنت فيها خصائص أولياء الله ، والتي ربّما سنتحدّث عن بعضها عند الحاجة في المباحث التالية ، فإنّ الشيطان لا يمتلك سلطاناً على أولياء الله ، فهو قد يأسَ منهم إذ أوكلوا إرادتهم واختيارهم إلى الله ، فصارت الذات المقدّسة للحقّ تعالى تقود الإرادة والاختيار في وجودهم ؛ فكيف يتصوّر مع ذلك أن يتغلّب الشيطان على إرادة الله واختياره فيمكنه خداعَهم ؟ إنّ أمل الشيطان ينصبّ على أولئك الذين يمكنه التصرّف فيهم ودعوتهم إلى الشهوات والغفلات ، وجعلهم غافلين عن الله سبحانه ، أمّا مَن تخطّى وجوده في سبيل الله وأوكل أنانيّته إلى ربّه ، وجعل اختياره مندكّاً في اختيار الله تعالى ، فلمس وتحقّق معنى « وَمَا تَشَآءُونَ إلَّا أن يَشَآءَ اللهُ » . « 1 » وأقرّه في سويداء قلبه ، فصار يرى بعين الله ، ويسمع بإذن الله ، وينطق بلسان الله ، ويبطش بيد الله ، فلم يبقَ شيء منه في عالم الوجود ليتصرّف به الشيطان . وقد ورد في الحديث القدسيّ إنّ الله سبحانه يقول : وَمَا يَتَقَرَّبُ إلَيّ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي بِشَيءٍ أحَبَّ إلَيّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ ؛ وَإنَّهُ لَيَتَقَرَّبُ إلَيّ بِالنَّوَافِلِ حتّى احِبُّهُ ، فَإذَا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الذي يَسْمَعُ
--> ( 1 ) - الآية 30 ، من السورة 76 : الإنسان ؛ والآية 29 ، من السورة 81 : التكوير .