السيد محمد حسين الطهراني
13
معرفة المعاد
حتّى وصل في تكبّره وبَطَره ونعمته وقدرته إلى حيث صار قومه يحسدونه ويغبطونه ، وإلى حيث صار عامّة الناس يحسدون جاهه وجلاله ومقامه وعظمته ، ثمّ نزل عليه عذاب الله فجأة فخُسف به وبثروته وقصره جميعاً ، فلم يستطع أحد أن ينصره أو يستخرجه من الأرض التي ابتلعته ، لا علمهُ ولا قدرتُه ولا أعوانه ولا أنصاره . فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ . « 1 » ولقد عمّه الهلاك والشقاء حتّى صار الذين يحسدونه بالأمس يقولون الحمد لله إننا لم نكن مكان قارون . ولقد تحرّك فرعون خلف موسى وأتباعه ولاحقهم ، وقال إنّ النيل قد انشقّ لموسى وامّته فعبر هو وأتباعه ، وسينشقّ أيضاً لي ولجيشي كي أعبره أنا الآخر فأبيد موسى وقومه . ولم يعلم إنّ الماء كان مسخّراً مأموراً بالانشقاق لموسى وأتباعه لا لفرعون وجيشه . فقد كانت مأموريّة الماء ووظيفته أن ينعقد عليهم وينطبق ، وهكذا ابتلعه الماء هو وجُنده فأغرقوا أجمعين . عدم جدوى توبة المتمرّدين عند نزول العذاب فَلَمَّا رَأ وْا بَأسَنَا قَالُوا ءَامَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ . حين كان العذاب والبأس والشدّة تنصبّ من قِبَلِ الله تعالى فتُغلق عليهم سبيل الفرار ، وحين كان الأمر يصبح مقضيّاً لا خيار فيه ، ليس فيه اختيار لفعل الشيء أو تركه ، ولا للطاعة أو المعصية ، ولا للكفر أو الإيمان ؛ فإنّهم كانوا يرون أنفسهم مضطرّين للقبول فيقولون : ءَامَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ . لقد كفرنا بما كنّا نعتقد فيه مقابل الله ، كفرنا بقوّتنا وعِلمِنا وقدرتنا ،
--> ( 1 ) - الآية 81 ، من السورة 28 : القصص .