السيد محمد حسين الطهراني
74
معرفة المعاد
وحقوق سائر أفراد الناس المحترمة عند الله سبحانه المبدأ الأصيل للعالم ، وخارجاً عن مقام العبوديّة لله ، لم يُحنِ رأسه في سجود التسليم والتذلّل أمام مُظهر هذه المظاهر العجيبة والمناظر المدهشة في العالم ، ولم يؤثر على نفسه أحداً ، ولم يُعن بائساً وضعيفاً ، ولم يُحيي روحه بحياة ذلك العالم بأعماله الصالحة ولم يشعل قبساً للظلمات والعقبات وطرقات الطبع المتعرّجة . وها هو يريد الذهاب من الدنيا على هذا الحال وبهذه الكيفية ، ومع هذه المشكلات التي تعترضه من كلّ حدب ، وتحيط به وتكتنفه من كلّ صوب ، فهو حائر مدهوش ، ومفلس خسران ، يريد الهجرة مع الخسارة ، والندم والحسرة التي تغمر كيانه وتتقاطر من وجوده ، وقد نودي بالرحيل فلا وقت للتأخير ولا لتدارك الأمر وتلافيه . وعلى الأخصّ لو كان هذا الشخص قد نال هذه الأمور الفانية الدنيوية بتحمّل المحن وبالسعي الدؤوب ، وحصل عليها بمشقّة وجهد ، إذ ستكون علاقته بها إذ ذاك أشدّ ، وقطع تعلّق قلبه بها أصعب وأقسى ، لأنّ هناك نسبة موازية بين ميزان الجهد والسعي والمشقّة التي يتحمّلها المرء في سبيل الحصول على شيء ما مع ميزان شدّة المحبّة لذلك الشيء والتعلّق به وصعوبة مفارقته وقطع الأمل منه . ولو قال أحد لهذا الشخص مع هذه الخصوصيّات : انّك ستموت بعد سنة ، أو بعد عشرة سنين مثلًا ، لأظلمت الدنيا في عينه ، وكأنّ جميع أنواع العذاب والمحن قد صبّت عليه ، وكأنّ الجبال قد هُدّت على أمّ رأسه . اشتياق المؤمن للموت أمّا لو قيل للمؤمن الذي ارتبط بربّه والهه ، ووصل إلى المدينة الفاضلة إثر تهذيب النفس وتزكية الأخلاق ، وهاجر من ظاهر عالم الغرور إلى باطن دار الخلود ، وارتبط مع موجودات عالم التجرّد والمعنى في عبوديّته لله ، المؤمن الذي لم يقصر في إطاعة أوامر الله ، فصقل نفسه