السيد محمد حسين الطهراني

64

معرفة المعاد

طوعيّاً ، بل كان اقتراناً أكرهت عليه وأجبرت على قبوله ، بيد انّها - ويا للعجب - صارت بعد وصولها للبدن تأبى مفارقته ، ولا ترضى بمغادرة قفص البدن وسجنه ، فهي تتفجّع وتئنّ في مأتمها لفراقه ، وتنهمك محزونةً في الغمّ والغصّة الشديدين . 4 - لقد شُغلت تلك النفس الناطقة في مقامها بنفسها فأنفت أن يكون لها ارتباط بعالم المادّة ، كما انّها لم تأنس بالطبع ، لكنّها بمجرّد اتّصالها ببدن الانسان ألفت دير الخراب والصحراء القفر القاحلة للجسد بواسطة علاقة المجاورة معها . 18 - وستعود هذه النفس الناطقة إلى محلّها الأوّل وقد صارت عالمةً بخفايا العالم وأسرار هيكل الوجود الشامخ ، لذا فقد جبرت بذلك ذلّة انكسارها وهبوطها ، ورقعت الخرق الذي أصابها بهبوطها ، بل انّها قد سمت بامتزاجها بنور العلم ومعرفة أسرار الخلقة فكأنّها لم تهبط قبلًا ولم يصبها خرق وانكسار أبداً . 19 - ولطيفة الروح هذه هي التي قطع الزمان طريقها ، فقد جاءت وذهبت بسرعة بحيث غربت قبل طلوع وبروز مقاماتها وكمالاتها ودرجاتها في هذا العالم ، فكأنّها اختفت في مغربها قبل طلوعها . 20 - ولقد كان تعلّقها بعالم المادّة والبدن الإنساني كالبرق الذي لمع فجأة فأضاء الحمى ، ثم اختفى وتلاشى بسرعة ، حتّى كأنّه لم يلمع ولم يبرق . وهذه هي عقيدة أبي علي سينا ومذهبه في خلقة الروح وكيفية تعلّقها بالبدن ومفارقتها له . أو إذا قلنا بأنّ أساس تكوّن النفس الناطقة كان جسمانيّاً ثم صار اثر الحركة الجوهريّة وطيّ مدارج الكمال ومعارجه روحانيّاً ، فتجسّم على هيئة موجود مجرّد ، كما اعتقد بذلك المرحوم صدر المتألّهين الشيرازي