السيد محمد حسين الطهراني
44
معرفة المعاد
مَخْزُونٌ . « 1 » والعجب كيف انّ الانسان يقترب من الموت بفراره منه ! فهو يُسرع راكضاً في عبور الشارع لئلّا تصدمه سيّارة ، فتسبّب سرعته نفسها اصطدامه وموته ، فهو في ظاهره فرار من الموت وفي واقعه وحقيقته استقبالٌ له . وما أكثر ما راجع مريضٌ طبيباً ليعالج له مرضه فمات من اشتباه بسيط للطبيب ! أو ذهب إلى مستشفى لاجراء عمليّة جراحيّة تمكّنه أن يعيش قدراً أكثر في الدنيا فمات تحت مبضع الجرّاح ! وما أكثر الأمثلة في هذا الأمر ! بل يمكن القول انّ الإنسان يسعى في جميع الساعات واللحظات التي تمرّ عليه ليُنجي نفسه من براثن الموت وليحفظ وجوده مُصاناً ، فيفعل ما يفيده لإدامة حياته ويحترز عمّا يسبب قطعها وزوالها . هذه هي غريزة جميع أفراد البشر ، بيد انّه مع وجود هذه الغريزة التي تجعل سعي الانسان منصبّاً بشكل كامل على بقائه ، حتّى انّه يمتلك في النوم كذلك حسّ تمالك وحفظ النفس هذا ، فانّه - في متن الواقع والحقيقة - يقترب بنفسه من الموت كلّ لحظة ، ويتقدّم بها بهذه النشاطات التي تقترن بانقضاء الزمن وطيّه ، والتي تخرج عن دائرة إرادته واختياره شاء أم أبى ، يتقدّم بها لحظةً بعد لحظة لاستقبال أجله والاقتراب منه ، وهذا هو معنى قول المولى عليه السلام : وَالْهَرَبُ مِنْهُ مَوَافَاتُهُ . قصّة النبي سليمان مع الرجل الخائف وملك الموت قيل انّ رجلًا فزعاً جاء صباح يوم عند سليمان على نبيّنا وآله
--> ( 1 ) - الخطبة 147 من نهج البلاغة ، شرح محمّد عبدة ج 1 ، طبع مصر ، عيسى البابي الحلبي ، ص 268 . وقد أورد المجلسي الجملة الأولى للإمام إلى لفظ « موافاته » في بحار الأنوار ، كتاب العدل والمعاد ، ص 126 من الجزء السادس لطبعة الآخوندي .