السيد محمد حسين الطهراني
26
معرفة المعاد
والخسران . كما إن عاقبة الانغماس في اللّذات الإعتباريّة والانصراف عن مقام العدل والعبوديّة للحقّ جلّ وعلا ، والتمرّد على تعاليم العقل والفطرة والشرع ، والاعتماد على النفس الأمّارة سيكون ذلك العذاب الأليم يوم الجزاء . امّا المجموعة الثانية فهم الذين لم يمنحوا لأمور هذه الدنيا الظاهريّة عنوان العالم الأبدي ، ولم يفنوا أنفسهم في المقصد المخوف للاعتباريّات ، ولم ينفقوا جميع وجودهم وقواهم في اللذائذ المؤقتة الفانية ، ولم يكتفوا بالسراب عن الماء المعين بدلًا ، بل كان لهم في موازاة طيّ هذه الحياة نظرٌ إلى باطن هذا العالم ، وكان لهم نصيب في الحياة الأبدية المثمرة ، ونصيب في الارتباط بالله تعالى ، وأمل التطلّع إلى الجمال الأزلي ، وعقد الأمل على الأنوار السرمديّة . وهكذا فان عاقبة الاستقامة والثبات من أجل نيل مقام العظمة ، والرسوخ والتحمّل في المقام المتين للصدق والحقيقة هو رضوان الله والتمتّع بصفاته الحسنى وأسمائه العليا والتمتّع بمقام المغفرة . استنباط لطيف للعلّامة الطباطبائي مدّ ظلّه من القرآن في أنّ الآخرة هي باطن الدنيا . يقول الأستاذ الجليل العلّامة الطباطبائي مدّ ظلّه العالي في رسالة « الإنسان في الدنيا » التي لم تُطبع بعد ، وهي مجموعة مع رسائل ستّ أخرى تعدّ من بين آثاره النفسية غير المطبوعة : من الممكن أن تكون هذه الفقرة في الآية المباركة « وَفي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ » معطوفة على كلمة لعب ، فيصبح المعنى على ذلك : إنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا في الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ ؛ أي أنّ هذه الحياة الدنيا الظاهرية المتشكّلة من المراحل الخمس لها باطن سيظهر ويتجلّى في هيئة عذاب شديد أو مغفرة من الله .