السيد محمد حسين الطهراني

15

معرفة المعاد

وعلى سبيل المثال فانّ الشخص يحتاج إلى الغذاء لإدامة حياته ، كما أن الغذاء الذي يتكفّل أمر حياته يمكن نيله بسهولة ويُسر كبيرين ، بيد أن مشكلات عجيبية من الأمور الاعتباريّة تكتنف ذلك وتحيط به . فهو يقول : ما الذي ينبغي أن أختار من غذاء كي لا يُهدر ماء وجهي ؟ وكي لا ينتقدني عليه رفيقي لو رآني في تلك الحال ، أو يعاتبني فيه ضيفي الذي يأتي إلى منزلي ؟ وليست هذه الأمور الّا سلسلة من الأمور الاعتباريّة مُزجت مع ذلك الأمر الحقيقي ، فأدّت إلى أن يشمل ذلك العمل كلا الوجهين : تحصيل الواقع مع لحاظ الأمر الإعتباري ، وما أكثر ما يؤدي تزاحم وكثرة توارد الأمور الاعتباريّة إلى الذهاب كليّاً بذلك الأمر الواقعي وابتلاعه والقضاء عليه . انّ جميع الأمور التي تحصل للانسان في الدنيا ، أو التي يقوم بها الانسان نفسه ، من قبيل البيع والشراء ، الصلح ، الهبة ، الوكالة ، الإجارة ، المزارعة ، المساقاة ، المضاربة ، النكاح والطلاق تتضخّم بشكل جدّي على أساس الإعتباريات ، بحيث يحصل كثيراً أن يدفع الانسان بنفسه إلى حافّة الموت والهلاك من أجل حفظ تلك الاعتبارات وصيانتها ، فيبادل حياته الغالية بتلك التضخّمات الاعتبارية والمصالح الموهومة ، ويخسر بلاعوض في لعبة شطرنج الدهر . أدنى العوالم حكومة منطق الحسّ على أنّ عالم الأمور الاعتباريّة هذا هو أسفل السافلين ، أي أكثر العوالم إنحطاطاً عن حدود الحقيقة ومتن الواقع ، لأنّ الإنسان الذي يتوجّب عليه في مسيرته التكاملية أن يطابق بشكل تام وكامل بين وجوده وبين الحقائق ، وأن يحرز الرقي المتزايد كلّ يوم في حركته للإفادة من مواد العالم الحقيقيّة والوصول للواقعيّات في سلّم الرقي والتعالي ، قد انحطّ به