عبد الباقي مفتاح
78
المفاتيح الوجودية والقرآنية لكتاب فصوص الحكم لابن العربي
عبد المحصي وهي حضرة الإحاطة أو أختها لا بل هي أختها لا عينها قال تعالى : وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً ( الجن ، 28 ) ، وأنسب الأنبياء لهذه الحضرة هو عيسى من حيث روحه وسليمان من حيث نفسه لأن عيسى ممتزج النشأة بين روحانية جبريل النافخ في أمه وبشرية مريم عليهم السلام . وإليه انتهى نفس الرسالة في دورة الملك التي مهدت لظهور الرسول الخاتم صلى اللّه عليه وسلم . وإلى عيسى أيضا ينتهي نفس الولاية العامة آخر الزمان عند نزوله في مقام القربة من الأمة المحمدية . فهو جامع لمراتب الروحانية والبشرية والرسالة والولاية ومن جمعيته بالحق تعالى أحيا الموتى بإذن اللّه الذي رفعه إليه وأسكنه السماء الثانية التي يسميها الفلكيون سماء المزج لأنها جامعة لكل الطبائع والأوصاف فهي نارية هوائية مائية ترابية وكوكبها ليلي نهاري ينقلب مع كل أمر حسب وصفه وهو أيضا ذكر وأنثى حسب تقسيم الكواكب والبروج إلى مذكر ومؤنث . وأما سليمان فقد ظهر عليه الاسم المحصي حسا ومعنى ظاهرا وباطنا وعبر عن ذلك هو نفسه في قول القرآن : وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ( النمل ، 16 ) . قال المفسرون في قوله وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ أي من كل ما يحتاج الملك إليه من العدد والآلات والجنود والجيوش والجماعات من الجن والإنس والطيور والوحوش والرياح والشياطين والعلوم والفهوم والتعبير عن ضمائر المخلوقات من الناطقات والصامتات . فأحصى سليمان في ملكه ما لم يؤت أحد بعده مثله من حيث الظهور به . وهذا ما أكده الشيخ داخل هذا الفص . ومن سر جمعية المحصي سمي كوكب هذه السماء الكاتب ومعنى كتب في اللغة جمع وضم ، فسمي الكتاب كتابا لجمعه أنواعا من الجمل التي تضم كلمات وحروفا . وسميت جماعة الجنود المنظمة كتيبة . . . والمنزلة الفلكية لهذه المرتبة هي الزبانا وسط برج الميزان . والميزان هو آلة الإحصاء . والزبن في اللغة الدفع والضم والجمع ولها حرف الطاء الذي عدده تسعة آخر الآحاد فهو أنسب الأعداد للإحصاء والإحاطة . والفلك التاسع هو المحيط العرشي وإلى إحصائه وإحاطته يشير الشيخ في تعريف حرف الطاء في الباب 2 من الفتوحات :