عبد الباقي مفتاح

123

المفاتيح الوجودية والقرآنية لكتاب فصوص الحكم لابن العربي

العين . ولحكم الاسم الباطن على هذه المرتبة العينية الطبيعية الثالثة تكرر في هذا الفص الثالث الاسم الباطن مع أخيه الظاهر كما تكررت كلمة الطبيعة عدة مرات وكذلك ترددت الألفاظ المتعلقة بالبطون وعناصر الطبيعة مثل : الستر ، الغيب ، الليل ، الغفر ، النار ، الماء فهو يقول مثلا : " وبشر المخبتين الذين خبت نار طبيعتهم فقالوا إلها ولم يقولوا طبيعة . . . فلو أخرجهم إلى السيف سيف الطبيعة لنزل بهم عن هذه الدرجة الرفيعة رب اغفر لي ولوالدي من كنت نتيجة عنهما وهما العقل والطبيعة " . وحيث أن الباطن هو الذي ليس كمثله شيء فلا تدركه الأبصار فإن حكمة هذا الفص سبوحية لأن التسبيح تنزيه . هذا التنزيه الذي ظهر به نوح عليه السّلام لانحراف قومه نحو التشبيه المطلق . فنوح عليه السلام هو مظهر التسبيح في الإنسان الكامل وقطب مرتبة الطبيعة المتحقق بالاسم الباطن . وقد ورد في الحديث الشريف ما يدل على هذا المقام النوحي وذلك في وصيته لابنه سام حيث لم يرشده إلا إلى التوحيد والتسبيح فقد روى الإمام أحمد ( إن نبي اللّه نوحا عليه السلام لما حضرته الوفاة قال لابنه : إني قاص عليك وصية ، آمرك باثنتين وأنهاك عن اثنتين : آمرك بلا إله إلا اللّه فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة ووضعت لا آله إلا اللّه في كفة رجحت بهن لا آله إلا اللّه . وسبحان اللّه وبحمده فإن بها صلاة كل شيء وبها يرزق الخلق . وأنهاك عن الشرك والكبر ) انتهى ، وسمى الشيخ نوحا في الباب 14 من الفتوحات بالبكاء أي كثير البكاء والنوح ، الموافق لاسمه نوح وروي عن جعفر الصادق رضي اللّه عنه أن اسم نوح عبد الغفار لقوله في آخر آية من سورته رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً ( نوح ، 028 ) والغفر هو الستر والإبطان . وكان الغالب على نوح عليه السلام الجلال كما غلب على إبراهيم عليه السلام الجمال لأن مدد نوح من الباطن أي جلال التنزيه ومدد إبراهيم - كما سبق في فصه - من الظاهر أي جمال الخلة ، ولنوح حرف العين ولإبراهيم حرف الغين . وظهر حكم الطبيعة جليا في نوح بفيضان دموعه كما فاضت الطبيعة في زمنه بالطوفان الأكبر . والطبيعة تتميز بعدم الاعتدال أي غلبة بعض الأركان على الأخرى ، ولهذا تكلم الشيخ في هذا الفص عن غلبة التنزيه أو غلبة التشبيه وبين أن الكمال هو في الاعتدال أي شهود البطون التنزيهي في عين الظهور التشبيهي والعكس أيضا . لكن عدم الاعتدال هو نفسه مظهر لازم من مظاهر الكمال وهذا هو مقام الطبيعة النوحية . يقول الشيخ في الفصل 13 من الباب 198 وهو فصل - الطبيعة - ما خلاصته : ( الطبيعة للكائنات الطبيعية كالأسماء الإلهية