عبد الباقي مفتاح
120
المفاتيح الوجودية والقرآنية لكتاب فصوص الحكم لابن العربي
وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا ( مريم ، 57 ) . وقرن تعالى العلو الربوبي بالتسبيح والتقديس فقال : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ( الأعلى ، 1 ) ولهذا كان وصف حكمة هذا الفص بالقدوسية لأن التسبيح الأعلى هو التقديس ولهذا ورد في الحديث الشريف أن من أذكار الملإ الأعلى : سبوح قدوس رب الملائكة والروح . وقد تمكن إدريس عليه السلام من التقديس والتروحن إلى أن اتصل بروحانيات السماوات والبروج وترقى إلى عالم القدس فاطلع على أسرار التدبير والتفصيل في الملك والملكوت وعلم الناس علوم الحكمة ثم رفع إلى قطب السماوات في الفلك الشمسي فهو قطب الأرواح السماوية المقدسة . يقول الشيخ عن مرتبة الهباء الإدريسية ما خلاصته : ( اعلم أن هذا الجوهر مثل الطبيعة لا عين له في الوجود وإنما تظهره الصورة فهو معقول غير موجود الوجود العيني . ونسميه العنقاء فإنه يسمع بذكره ويعقل ولا وجود له في العين . وقد كان اللّه ولا شيء معه . فلما أراد وجود العالم وبدأه على حد ما علمه بعلمه بنفسه انفعل عن تلك الإرادة المقدسة بضرب تجل من تجليات التنزيه إلى الحقيقة الكلية انفعل عنها حقيقة تسمى الهباء هي بمنزلة طرح البناء الجص ليفتح فيها ما شاء من الأشكال والصور وهذا هو أول موجود في العالم ، وقد ذكره علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه . ثم إنه تعالى تجلى بنوره إلى ذلك الهباء - ويسميه أهل الأفكار : الهيولي الكل - والعالم كله فيه بالقوة والصلاحية فقبل منه تعالى كل شيء في ذلك الهباء على حسب قوته واستعداده كما تقبل زوايا البيت نور السراج فلم يكن أقرب إليه قبولا في ذلك الهباء إلا حقيقة محمد صلى اللّه عليه وسلم المسماة بالعقل فكان سيد العالم بأسره وأول ظاهر في الوجود فكان وجوده من ذلك النور الإلهي ومن الهباء ومن الحقيقة الكلية . وفي الهباء وجد عينه وعين العالم من تجليه وأقرب الناس إليه علي بن أبي طالب وأسرار الأنبياء أجمعين . فهذا المعقول الهبائي هو كل أمر يقبل بذاته الصور المختلفة التي تليق به وهو في كل صورة بحقيقته وفيه تظهر العين التي تقبل حكم الطبيعة وهو الجسم الكل وهذا المعقول إنما قيدنا مرتبته بأنها الرابعة من حيث قبوله صورة الجسم خاصة . وأما بالنظر إلى حقيقته فليست هذه مرتبته ولا ذلك الاسم اسمه وإنما اسمه الذي يليق به الحقيقة الكلية التي هي روح كل حق ومتى خلى عنها حق فليس حقا ، وهو قديم في القديم حقيقة وحادث في المحدث حقيقة ، لأنه بذاته يقابل كل متصف به وهو في كل ذات بحقيقته وعينه وما له عين وجودية سوى عين الموصوف فهو على أصله معقول لا موجود وجودا عينيا ومثاله في الحس البياض في كل أبيض أو التربيع في كل مربع . فالمعنى القابل لصورة الجسم هو