محمود شهابي
184
النظرة الدقيقة في قاعدة بسيط الحقيقة
حين سئل عن قول اللّه ، عزّ وجلّ ، « اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ » فقال ، ع ، : « هادي لأهل السّموات وهادي لأهل الأرض » ، ان صحّت روايته عنه عليه السلام ، صادر عنه لردع الأوهام المنحوسة ، وصرف الأفكار المنكوسة ، ومنع الخيالات المأنوسة ، التّى لا تكاد ان تتجاوز عن درك غير الأنوار المحسوسة وان تعتقد ما سواها ، عن أن - تتوجه إلى خصوص ما يكون مأنوسا له ، مدلولا عنده أو ان يصرفه عن ذلك . ويشهد بذلك اخراج الكلام عمّا صيغ له من الحقيقة وسوقه إلى المجاز بارتكاب الحذف مع انّه من الأصول المقبولة ، والضّوابط المسلّمة المعقولة ، انّ الكلام لا يحمل على المجاز ، سواء كان المجاز عقليّا أو لفظيّا ، وسواء كان باعتبار الكلمة أو بارتكاب الحذف ، الّا إذا لم يكن لحمله على الحقيقة وجه . فإذا كان مدلول الكلام ، الحقيقي باعتقاد السّامع وعند السّائل هو النّور الحسّى ولم يكن عنده مدلول آخر ولم يكد ان يدرك الحقيقة ويفهم الحقّ فلا بدّ للمجيب العالم الهادي ، والمتكلّم الواقف على حدّ فهم السّائل وقدر درك السّامع ، ان يتوسّل بالمجاز وان يتكلّم معه ومع أمثاله بقدر عقولهم ويذرهم في محدودة شعورهم ولا يحمل على افهاهم ما لا طاقة لهم به فيتحيّروا ، بل وربما يضلّوا ، بسببه . ومع ذلك كلّه راعى الأمام ، عليه السّلام ، جانب الحقيقة في كلامه وما جانب - المعنى الحقيقىّ بتمامه ، بل جاء في التفسير بلفظ هو بالحقيقة من شؤون حقيقة النوّر ونعوت ذات الوجود وهو الهداية الملازمة للأظهار والظهور فافهم . ومن هذا القبيل اى اطلاق النّور على اللّه ، تبارك وتقدّس اطلاق الأسماء والصّفات ، كالعالم والقادر والحىّ واللّطيف والسّميع والبصير وغيرها ، على اللّه فكلّ طائفة يفهم منها ما يناسب انسه ودركه ، ولذا وردت الروّايات الكثيرة لبيان « الفرق بين معاينها ومعاني أسماء المخلوقين » وحسبك من ذلك ما ورد عن الأمام - الباقر ، عليه السّلام ، مناسبا لهذا المقام . قال عليه السّلام : « هل سمىّ عالما وقادرا الّا لأنّه وهب العلم للعلماء والقدرة للقادرين ؟ وكلّ ما ميّزتموه بأوهامكم في ادقّ معانيه فهو مخلوق ، مصنوع مثلكم ، مردود إليكم .