محمود شهابي
171
النظرة الدقيقة في قاعدة بسيط الحقيقة
المقدّس والوجه الباقي للحق والعرش المحيط على الخلق . ثم شبّهت « الزجاجة » باعتبار شفّافيّتها وصفائها وبلحاظ استضائتها من شمس الحقيقة واستفادتها النّور من مبدئها الأنوار الاعلى بانّها « كوكب درّىّ » اى كوكب عظيم يشبه الدّرّ في صفائه ونوره ، على ما فسّرت . وبعد ذلك جيئى بوصف الأتّقاد من شجرة مباركة لكنّه لما اختلف في قرائتها ، على ما في التّفاسير ، كالتّبيان والجلالين وغيرهما « 1 » ، اشتبه الامر في الموصوف ، فان اتّبع القراءة الّتى تكون الصيغة فيها مؤنّثة ، سواء كان اللّفظ مضارعا مجهولا ، من « أوقد » ، أو معلوما من « توقد » ، يكون الموصوف لها ، الزّجاجة فيكون الوصف لبيان انّ النورانيّة المعبّر عنها بالوقود في المشبّه به ، اى الزّجاجة ، التي كأنّها كوكب درّىّ ، ليست ناشئة عن ذات الزّجاجة ، قائمة بذاتها ، بل تكون مستفادة من أصل ثابت كثير البركة ، غزير الثّمرة ، أصله مبارك ، وفرعه ميمون ، وهو الشّجرة المباركة ، الّتى سمّيت بالزّيتون ، التي لا شرقيّة ولا غربيّة ، وهكذا الأمر في المشبّه ، وهو الوجود - المطلق ، المنبسط ، والنور الشّفّاف المتّقد ، إذ ليس وجوده النّورى من ذاته ، وقائما بنفسه ، بل نور وجوده من أصل مبارك لا يصحّ ان ينسب ذاك الأصل إلى الشّرق كي يقال له : « شرقىّ » ، كما قد يصحّ هذه النّسبة للوجود المطلق المنبسط ، فانّه لما سطع من مطلع فيض شمس الحقيقة والحق ، وطلع من مشرق النّور الّذى هو مطلق ، يصحّ ان ينسب اليه فيقال له : « شرقىّ » وكذا لا يصحّ ان ينسب ذاك الأصل إلى الغرب حتّى يقال له : « غربىّ » كما يصحّ هذه النسبة للوجود الخاص - المحدود بالمهيّة ، فانّه لمّا ابتعد عن مبدء النّور ، وهو مطلقه وصرفه بل منوّر - النّور ومفيضه ، واقترب إلى منتهى الظّلمة ، وهو الماهيّة الحالكة الغاسقة المد لهمّة -
--> ( 1 ) - في تفسير الجلالين « . . . « كأنها » والنور فيها « كوكب درى » اى مضيىء ، بكسر الدال ، وضمها ، من الدرء بمعنى الدفع لدفعها الظلام الظلام وبضمها وتشديد الياء منسوب إلى الدر اللؤلؤ « توقد » المصباح ، بصيغة الماضي . وفي قراءة بمضارع أوقد مبنيا للمفعول بالتحتانية ، وفي أخرى توقد بالفوقانية اى الزجاجة »