أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

99

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

تراه من الأكدار ، لئلا يحصل لك الإنكار ، وإلى هذا أشار بقوله : 24 - لا تستغرب وقوع الأكدار ما دمت في هذه الدّار ، فإنها ما أبرزت إلا ما هو مستحقّ وصفها ، وواجب نعتها . الاستغراب : تصيير الشيء غريبا حتى يتعجب منه ، والأكدار : كل ما يكدر على النفس ويؤلمها ، ومستحق وصفها : ما تستحق أن توصف به ، وواجب نعتها : ما يجب أن تنعت به . قال بعضهم : الوصف يكون بالأمور اللازمة ، والنعت يكون بالعوارض الطارئة ، فالأمور اللازمة كالبياض والسواد والطول والقصر ، والعوارض كالمرض والصحة والفرح والحزن وغير ذلك ، والمراد هنا بالأوصاف ما يتكرر وقوعه ، كالموت والأمراض وما يقع كثيرا ، وبالنعوت ما يقل وقوعه في العادة ، كالفتن والهرج والزلازل لأنهم يقولون الأوصاف لوازم ، والنعوت عوارض وقيل : شيء واحد « 1 » وهو الأصح . قلت : من آداب العارف أن لا يستغرب شيئا من تجليات الحق ، ولا يتعجب من شيء منها كائنة ما كانت جلالية أو جمالية ، فإن نزلت به نوازل قهرية أو وقعت في هذه الدار أكدار وأغيار جلالية ، فلا يستغرب وقوع ذلك ، لأن تجليات هذه الدار جلّها جلالية لأنها دار أهوال ، ومنزل فرقة وانتقال . وفي الحديث عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال في بعض خطبه : « أيها الناس إن هذه الدار دار التواء - أي هلاك - لا دار استواء ، ومنزل ترح - أي حزن - لا منزل فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخائها ، ولم يحزن لشقائها ، ألا وإن اللّه خلق الدنيا دار بلوى والآخرة دار عقبى ، فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة سببا وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضا ، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي ، وإنها لسريعة التّوى وشيكة الانقلاب ، فاحذروا حلاوة رضاعها لمرارة فطامها ، واهجروا لذيذ عاجلها لكربة آجلها ،

--> ( 1 ) أي شيء واحد .