أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

90

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

خدمة مولاه ، ولا ينتظر وقتا آخر إذ الفقير ابن وقته ، فلا تجده مشغولا إلا بفكرة أو نظرة أو ذكر أو مذاكرة أو خدمة شيخ يوصله إلى مولاه ، وقد قلت لبعض الإخوان : الفقير الصّدّيق ليس له فكرة ، ولا هدرة إلا في الحضرة أو ما يوصله للحضرة واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر الأدب الثالث وهو إقامته حيث أقامه اللّه تعالى فقال : 19 - لا تطلب منه أن يخرجك من حالة ليستعملك فيما سواها فلو أرادك لاستعملك من غير إخراج . قلت : من آداب العارف الاكتفاء بعلم اللّه ، والاستغناء به عما سواه ، فإذا أقامه اللّه تعالى في حالة من الأحوال ، فلا يستحقرها ويطلب الخروج منها إلى حالة أخرى ، فلو أراد الحق تعالى أن يخرجه من تلك الحالة ويستعمله فيما سواها لاستعمله من غير أن يطلب منه أن يخرجه ، بل يمكث على ما أقامه فيه الحق تعالى حتى يكون هو الذي يتولى إخراجه كما تولى إدخاله ، وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ [ الإسراء : 80 ] ، فالمدخل الصدق هو أن تدخل فيه باللّه ، والمخرج الصدق هو أن تخرج منه باللّه وهذا هو الفهم عن اللّه ، وهو من علامة تحقق المعرفة باللّه ، فالعارف باللّه إذا كان أعزب لا يتمني التزويج ، وإذا كان متزوجا لا يتمنى الفراق ، وإذا كان فقيرا لا يتمنى الغنى ، وإذا كان غنيّا لا يتمنى الفقر ، وإذا كان صحيحا لا يتمنى المرض ، وإذا كان مريضا لا يتمنى الصحة ، وإذا كان عزيزا لا يتمنى الذل ، وإذا كان ذليلا لا يتمنى العز ، وإذا كان مقبوضا لا يتمنى البسط ، وإذا كان مبسوطا لا يتمنى القبض ، وإذا كان قويّا لا يتمنى الضعف ، وإذا كان ضعيفا لا يتمنى القوة ، وإذا كان مقيما لا يتمنى السفر ، وإذا كان مسافرا لا يتمنى الإقامة ، وهكذا باقي الأحوال ينظر ما يفعل اللّه به ، ولا ينظر ما يفعل بنفسه لتحقق زواله ، بل يكون كالميت بين يدي الغاسل ، أو كالقلم بين الأصابع كما قال