أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

73

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

شهود ربه ، ولأنه سحاب يغطي شمس المعاني لمن وقف مع ظاهر حس الأواني ، وإليه أشار الششتري بقوله : لا تنظر إلى الأواني ، وخض بحر المعاني ، لعلك تراني ، فصار الكون بهذا الاعتبار كله ظلمة ، وإنما أناره تجلي الحق به وظهوره فيه ، فمن نظر إلى ظاهر حسه رآه حسا ظلمانيّا ، ومن نفد إلى باطنه رآه نورا ملكوتيّا . قال اللّه تعالى : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ النور : 35 ] ، فتحصل أن قول الشيخ : الكون كله ظلمة إنما هو في حق أهل الحجاب لانطباع ظاهر صور الأكوان في مرآة قلوبهم ، وأما أهل العرفان فقد نفذت بصيرتهم إلى شهود الحق ، فرأوا الكون نورا فائضا من بحر الجبروت فصار الكون عندهم كله نورا ، قال اللّه تعالى : قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ يونس : 101 ] ، أي من نور ملكوته وأسرار جبروته أو من أسرار المعاني القائمة بالأواني . وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم : « إنّ اللّه احتجب عن أهل السماء كما احتجب عن أهل الأرض ، وإنّ أهل الملإ الأعلى ليطلبونه كما تطلبونه أنتم ، وإنه ما حلّ في شيء ولا غاب عن شيء « 1 » » انتهى . وهذه المعاني إنما هي أذواق لا تدرك بالعقل ، ولا بنقل الأوراق وإنما تدرك بصحبة أهل الأذواق فسلم ولا تنتقد . إذا لم تر الهلال فسلّم * لأناس رأوه بالأبصار ثم قسم الناس في شهود الحق على ثلاثة أقسام عموم وخصوص ، وخصوص الخصوص فقال : [ فمن رأى الكون ولم يشهده فيه أو عنده أو قبله أو بعده فقد أعوزه وجود الأنوار وحجبت عنه شموس المعارف بسحب الآثار ] . فأهل مقام البقاء يشهدون الحق بمجرد وقوع بصرهم على الكون ، فهم يثبتون الأثر باللّه ولا يشهدون بسواه ، إلا أنهم لكمالهم

--> ( 1 ) لم أقف عليه .