أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
71
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
آخر أمرك ، وهو معنى قولهم منتهى الكمال مبدأ الشرائع . وقالوا أيضا : نهاية السالكين بداية المجذوبين ، ونهاية المجذوبين بداية السالكين . وقالوا أيضا : علامة النهاية الرجوع إلى البداية ، وسيأتي الكلام على هذا في محله إن شاء اللّه وقوله : فهذي صلاة العارفين بربهم ، لأنهم تطهروا الطهارة الأصلية وصلوا الصلاة الدائمة قال اللّه تعالى : الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ [ المعارج : 23 ] ، فالعوام حد صلاتهم أوقاتهم ، والعارفون في الصلاة على الدوام ، قيل لبعضهم : هل للقلوب صلاة ؟ فقال : نعم إذا سجد لا يرفع رأسه أبدا ، أي إذا سجدت الروح لهيبة الجلال والجمال لا ترفع رأسها أبدا ، وإليه أشار الششتري بقوله : فاسجد لهيبة الجلال عند التداني * ولتقرأ آية الكمال سبع المثاني وقوله : فإن كنت منهم فانضح البر بالبحر ، أي فإن كنت من العارفين المحققين فانضح بر شريعتك ببحر حقيقتك ، بحيث ترش على شريعتك من بحر حقيقتك حتى تغمرها وتغطيها ، فتصير الشريعة عين الحقيقة ، والحقيقة عين الشريعة ، حتى يصير عملك كله باللّه واللّه تعالى أعلم ، وباللّه التوفيق ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم . وإذا دخل القلب حضرة القدس ومحل الأنس ، فهم دقائق الأسرار وملئ بالمواهب والأنوار وإلى ذلك أشار بقوله : [ أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته ] . الرجاء : تمني الشيء مع السعي في أسبابه ، وإلا فهو أمنية والفهم : حصول العلم بالمطلوب ، ودقائق الأسرار : غوامض التوحيد ، والتوبة : الرجوع عن كل وصف ذميم إلى كل وصف حميد ، وهذه توبة الخواص ، والهفوات : جمع هفوة وهي الزلة والسقطة . قلت : فهم دقائق الأسرار لا يكون أبدا مع وجود الإصرار ، أو تقول فهم غوامض التوحيد لا يكون إلا بقلب فريد ، فمن لم يتب من هفواته ويتحرر من رق شهواته ، فلا يطمع في فهم غوامض التوحيد ولا يذوق أسرار أهل التفريد .