أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
607
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
تعالى أعلم . 428 - يا من احتجب في سرادقات عزّه عن أن تدركه الأبصار . قلت : السرادقات في اللغة هي الأسوار المحيطة بالدار ، وهي هنا كناية عن الحجب القهرية ، وهي حجب العزة التي احتجب الحق تعالى بها عن عباده مع شدة ظهوره ، ومرجعها إلى دوائر الحس والوهم والغفلة والأكنة التي على القلوب ، وتنحصر في خمسة أمور : الأول : حب الدنيا الذي زرعه الحق تعالى بقهره في قلوب الناس حتى انصرفت إليها الهمم ، وتاهت فيها العقول ، وتظلمت بصور خيالها القلوب ، واشتبكت فيها الفكر ، فلا تنصرف إلى غيرها ، وبهذا احتجب جل العباد إلا من عصم اللّه . الثاني : ارتباط الأسباب مع مسبباتها ، والعوائد مع ما تعودت بها ، كتوقف أمر الرزق على حركة السبب ، والنبات على وجود الأمطار ، وغير ذلك من ارتباط الأسباب ، فظن الجهال أنها لا تنفك عن مسبباتها ، فحجبوا بها عن مسبب الأسباب والحكيم العليم يرزق من غير أسباب ويعطي بلا حساب ، وبهذا احتجب كثير من الناس فوقفوا مع الأسباب ؛ وحجبوا عن شهود رب الأرباب ، إلا من نفذت بصيرته من ذوي الألباب . الثالث : الوقوف مع ظاهر الشريعة ترغيبا وترهيبا علما وعملا ، فقوم وقفوا مع الترغيب ، فانكبوا على العمل طلبا للجزاء وهم العبّاد . وقوم وقفوا مع الترهيب ، فغلب عليهم الخوف وهم الزهاد . وقوم وقفوا مع ترغيب العلم ، فاشتغلوا بعلم الرسوم والحروف ، وتركوا علم اليقين والخشية والمعرفة وهم علماء الظاهر ، فحجبوا بالعلم عن المعلوم ، وهي معرفة الحي القيوم . الرابع : الوقوف مع حلاوة الطاعات ولذيذ المناجاة وهي سموم قاتلة لمن وقف معها ، وهي لأهل المراقبة بها احتجب كثير من العباد والزهاد ، وقد تظهر لهم خوارق وكرامات حسية ، فتزيدهم حجابا عن اللّه . الخامس : ظهور أثر القدرة على هذه التجليات ، واتصافها بأوصاف العبودية . كالفقر والذل والجهل والمرض والموت ،