أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

600

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

فقد وهبت لنا النعم ، وأمرتنا بالسخاء والكرم ، ووفقتنا لعطائها ، ووعدتنا بالنعيم الجزيل عليها ، فلله ما أعطى وله ما أخذ . فإذا عرف العبد هذا لم تبق له وسيلة يتوسل بها إلا فضل اللّه وكرمه . وفي مناجاة الجنيد رضي اللّه تعالى عنه : يا ذاكر الذاكرين بما به ذكروه ، يا بادئ العارفين بما فيه عرفوه ، يا موفق العابدين لصالح ما عملوه ، من ذا الذي يشفع عندك إلا بإذنك ، من ذا الذي يذكرك إلا بفضلك ، واستقراض الرب من عبده ما وهبه له غاية في ترفيعه لقدره وإبانته لشرفه ، ووعده مع ذلك جزيل الثواب نهاية في إكرامه له وتفضله عليه . وقال بعضهم : ملكك ثم اشترى منك ما ملكك ، ليثبت لك معه نسبة ، ثم استقرض منك ما اشتراه ، ثم وعدك عليه من العوض أضعافا ، بين فيه أن نعمه وعطاياه بعيدتان أن تكونا مشوبتين بالعلل انتهى . قال ابن عباد رضي اللّه تعالى عنه : ولما بين أن طلب الحق سابق على طلب العبد طلب منه أن يطلبه ليتحقق منه الطلب ، فقال في المناجاة الثامنة والعشرين : 409 - إلهي اطلبني برحمتك حتى أصل إليك . أي أطلبني برحمتك الأزلية حتى أطلبك وأصل إليك ، فإن الطلب سابق الوصول ، وهذه طريقة السلوك . ثم أشار إلى طريق الجذب والعناية فقال : 410 - واجذبني بمنتك حتى أقبل عليك قلت : ولو عكس لكان أحسن ؛ فيقول اطلبني برحمتك حتى أقبل عليك ، واجذبني بمنتك حتى أصل إليك فإن الجذب هو الاختطاف من شهود الأكوان إلى شهود المكوّن ، والغالب أن يكون بعد التوجه والطلب والمجاهدة والتعب ، وقد يجذب أولا ثم يرد إلى السلوك ، والأول أكمل . ثم إذا حصل طلب الرب لعبده حتى وصل إليه لا ينقطع عنه خوفه ورجاؤه ، كما أبان ذلك في المناجاة التاسعة والعشرين بقوله :