أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

577

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

أثبته مستقلا كان في حالة البعد ، وإذا نفاه كان في حالة الجمع ، فطلب الجمع على الدوام بحيث لا يبقى له تردد في نفيه وإثباته ، وهو مقام البقاء ، فإثبات الأثر بالنفس على الدوام هو بعد على الدوام ، وهو مقام أهل الحجاب من العوام ، ونفيه على الدوام هو مقام أهل الجمع من أهل الفناء والجذب ، ونفيه ثم إثباته باللّه هو مقام أهل البقاء قياما بوظائف الحكمة والقدرة وجمعا بين الحقيقة والشريعة ، وهذه المناجاة إنما تليق بأهل الاستشراف . ولو أراد الشيخ رضي اللّه تعالى عنه أن ينبه على مناجاة السائرين والواصلين والمتمكنين لقال بعد هذه المناجاة التي هي للسائرين : إلهي تنزهي في الأنوار يوجب قرب المسار فاجمعني إليك بفكرة توصلني إليك ، وهذه مناجاة الواصلين قبل الرسوخ والتمكين ، ثم يقول : إلهي تنزهي في الأسرار يوجب وصل المسار ، فاجمعني إليك بنظرة تقيمني بين يديك ، وهذا غاية الجمع ، وهو تمكن النظرة ، ودوام شهود الحضرة ، ولا يذوق هذا إلا من سبقت له الخدمة وتداركته عناية الجذبة ، فأصبح من الفائزين ، ولمحبوبه من الواصلين . وقد قيل : إذا أبغض اللّه عبدا - والعياذ باللّه - طرده عن بابه ، وشغله عنه بمكابدة رفع حجابه ، وليس به طاقة على ذلك ما لم يكن اللّه في عونه ، وهو معنى لا حول ولا قوة إلا باللّه ، لكن العنين لا يدرك لذة الجماع ، والأعمى لا يدرك رحب الساحات والبقاع قيل : إن بعض المجموعين على اللّه أراد التستر عن مقامه ، فكان لا يسأل عن شيء إلا قال : هو ، فقيل له : لعلك تعني اللّه ! فسقط ميتا ، ويسمى عندهم جمع الجمع وهو خاص بخواص الخواص ، وقيل : بالأنبياء عليهم السلام ، وقيل : بالرسل وقيل : بنبينا محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم ولا يمكن الوصول إلى هذا إلا برفع الهمة عن الكونين ، وخلع النعلين من الدارين . قال بعضهم : عرضت علي الدنيا بزخرفها وزينتها فأعرضت عنها ، فعرضت علي الجنان بقصورها وحورها وحللها ، فأعرضت عنها ، فقيل لي : لو وقفت مع الدنيا لحجبناك عن الآخرة ، ولو التفت إلى الآخرة