أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
547
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
ثم إن الفقر والجهل من أوصاف العبودية ، كما أن الغني والعلم ممن أوصاف الربوبية ، فلما أدلى بفقره إلى غنى مولاه ، أدلى بجهله إلى سعة علم مولاه ، فقال في المناجاة الثانية : 331 - إلهي أنا الجاهل في علمي ، فكيف لا أكون جاهلا جهولا في جهلي ؟ . قلت : يقول رضي اللّه تعالى عنه : أنا الجاهل في علمي العارض الذي علمتني ، فكيف لا أكون جاهلا في جهلي الأصلي الذي فيه أركزتني ؟ أو يقول : أنا الجاهل في حال نسبتي إلي العلم الذي علمتني ، فكيف لا أكون جهولا في جهلي الذي هو أصلي ومحلى ؟ وما نسبة علم العبودية في جانب علم الربوبية إلا كنقرة العصفور من البحر ، كما قال الخضر عليه السلام لسيدنا موسى عليه الصلاة والسلام ، قال تعالى : وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [ الاسراء : 85 ] ، وقال : وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ [ البقرة : 255 ] ، وقال تعالى : وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً [ النحل : 78 ] ، فالعلم العارض لا يدفع الجهل الأصلي ، هذا باعتبار الحكمة والنظر إلى أصل البشرية . وأما الروحانية فأصلها علامة دراكة ؛ لأنها نموذج رباني ولطيفة نورانية ، فإنما حجبها كثافة البشرية وظلمة الطبيعة كما قال في المباحث : فلم تزل كل نفوس الأحيا * علامة دراكة للأشيا وإنما تحجبها الأبدان * والأنفس النزع والشيطان فكل من أذاقهم جهاده * أظهر للقاعد خرق العادة ثم إن من تحقق بفقره الأصلي لا يسكن إلى غناه العارض ، ومن تحقق بجهله الأصلي لا يسكن إلى علمه الفرعي ، فإن الأمور كلها بيد الغني الكريم ، والقلوب كلها بيد المدبر الحكيم ، كما أبان ذلك في المناجاة الثالثة بقوله :