أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
541
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
[ وقد أوحى اللّه تعالى إلى داوود عليه السلام : يا داوود قل للصديقين ، بي فليفرحوا وبذكرى فليتمتعوا ] . قلت : لا يكمل الفرح باللّه حتى يخلو القلب من محبة ما سواه ، فما دام العبد متعلقا بشئ من السوى فلا يكمل فرحه باللّه ، ولا يتم تنعمه بذكر اللّه . أو تقول : ما دامت الروح مسجونة في سجن الهيكل لا يتم فرحها باللّه ، ولا تتنعم بذكر اللّه ، فإن تخلصت من سجن البدن وتحررت من رق الأكوان كمل فرحها بالواحد المنان وأنشدت : أنتم سروري وأنتم مشتكي ألمي * وأنتم في ظلام الليل أقماري فإن نطقت فلم أنطق بغيركم * وإن صمت فأنتم عقد إضماري وهذا هو الفرح الحقيقي والسرور الأصلي وما سواه أعراض لأغراض . قال المقدسي : السرور أعلى من الفرح لأن الفرح ربما شيب بالحزن الذي هو مقابله والسرور لا حزن معه . وقيل هما شيء واحد . وقال بعضهم : السرور على ثلاثة أقسام : بداية ، ووسط ، ونهاية . فبداية السرور يذهب به خوف القطيعة ، وظلمة الجهل ، ووحشة الفراق . وأما وسطه : فإنه يكشف حجاب العلم ، ويفك رق التكليف ، وينفي التدبير والاختيار . وأما غايته : فإنه يمحو آثار الوحشة ، ويقرع باب المشاهدة ، ويضحك وجه الروح لبشارة التجلي ، ففي بداية الفرح والسرور يحصل التصديق ، وفي وسطه يحصل الأنس ، وفي نهايته يحصل الجمع والوصال ، انتهى . وقد ضرب بعضهم مثلا للأقسام الثلاثة أعني : من يفرح بالنعم من حيث إنه ينال فيها شهوته ، أو يشهد فيها منته ومعونته ، أو يفرح بالمنعم وحده ، فقال : مثل ذلك كثلاثة رجال قدموا على السلطان ، فأعطى لكل واحد فرسا وسيفا ، أما أحدهما فقال : هذا فرس نتمتع به ، ونركب عليه في حوائجي ، ونقاتل به عدوي ، ففرح به من حيث يقضي به مآربه