أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

530

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

309 - والرسول صلوات اللّه وسلامه عليه ليس معرفة كمعرفته ، فليس قرة عين كقرته . قلت : لم يؤنث الفعل المجازي التأنيث في الموضعين ، وإنما كانت معرفته عليه السلام لا يساويها معرفة ، لأنه أول قدمه في مقام الإحسان ، إذ لا مجاهدة له ولا سير له باعتبار الوصول ، لأنه واصل من أول قدم ، فنهاية الأولياء بداية الأنبياء ، ونهاية الأنبياء بداية الرسل ، وبدايته عليه السلام من نهاية الرسل ، وإنما قلنا لا سير له باعتبار الأصول ، لأن السير في مجاهدة الأوصاف المذمومة وهو مطهر منها كما قال القائل : خلقت مبرّأ من كل عيب * كأنك قد خلقت كما تشاء وأما السير بمعنى الترقي فهو ثابت له على الكمال ، فقد كان عليه السلام يترقي في الساعة الواحدة مقامات ، ويستغفر من المقام الذي يترقي منه : حكي عن الشيخ أبي الحسن الشاذلي رضي اللّه تعالى عنه أنه كان يستشكل قوله عليه السلام : « إنه ليغان على قلبي فأستغفر اللّه في اليوم سبعين مرة » وفي رواية : مائة مرة « 1 » » . حتى رأى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال : يا مبارك غين أنوار لا غين أغيار ، ففهم حينئذ أن ذلك الغين وهو التغطية ، إنما هي أنوار الشهود ، أو هي تتفاوت بالقوة والضعف باعتبار الكشف ، فكلما كشف له عن مقام رأى ذلك المقام نقصا باعتبار ما بعده ، ورآه حجابا وتغطية لما فوقه وهكذا ، وعظمته تعالى لا نهاية لها ، ولذلك قال له : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [ طه : 14 ] . وقال أبو العباس رضي اللّه تعالى عنه : الأنبياء عليهم السلام خلقوا من الرحمة ، ونبينا عليه السلام هو عين الرحمة . قال تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً

--> ( 1 ) رواه أبو داود ( 2 / 84 ) ، وأحمد في المسند ( 2 / 258 ) ، والنسائي في الكبرى ( 6 / 116 ) .