أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

517

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

إلى حولك وقوتك إذا أدخلتني ] في الأشياء [ وانقيادي إليك إذا أخرجتني ] منها : واجعل لي من لدنك أي : من مستبطن أمورك بلا واسطة ولا سبب سلطانا أي : برهانا قويّا ، وليس ذلك إلا وارد قوى من حضرة قهار لا يصادمه شيء إلا دمغه فيحق الحق ويزهق الباطل ، ويكون ذلك السلطان [ ينصرني ولا ينصر علي ] أي : ينصرني على الغيبة عن الحس وعن شهود السوى حتى نبعد عنهما برؤية مولاهما ولا ينصر علىّ الوهم والحس وشهود الغيرية . ثم بين ذلك فقال : [ ينصرني على شهود نفسي ] أي : يقويني على الغيبة عنها ، فإذا انتصرت على شهودها انهزم عني وذهب شهودها وبقي شهود ربها ، فالنصرة على الشيء هو غلبته حتى يضمحل وينقطع ، وكأن شهود النفس عدو يحاربك ويقطعك عن شهود ربك ، فإذا نصرك اللّه عليه غلبته ودفعته عنك ، فتتصل حينئذ بشهود محبوبك ، وإذا فنى شهود النفس فنى حينئذ وجود الحس ، وهو معنى قوله : [ ويفنيني عن دائرة حسى ] ، فإذا فنيت دائرة الحس بقي متسع لمعاني وفضاء الشهود ، وهذه هي الولادة الثانية ، فإن الإنسان بعد أن خرج من بطن أمه وهي الولادة الأولى بقي مسجونا بمحيطاته ، محصورا في هيكل ذاته ، قد التقمه الهوى ، وصار في بطن الحس والوهم وسجن الأكوان المحيطة بجسمانيته ، فإذا فنيت دائرة حسه وخرج من بطن عوائده وشهوات نفسه ، نقبت روحه الكون بأسره ، وخرجت إلى شهود مكوّنها ، فقد ولد مرة ثانية ، وهذه الولادة لا يعقبها فناء ولا موت قال تعالى : لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى [ الدخان : 56 ] . وهذا معنى قول سيدنا عيسى عليه السلام : ليس منا من لم يولد مرتين ، هكذا ذكره الشطيبي من قول عيسى عليه السلام .