أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
505
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
روي أن بعض المريدين قام ليلا لعبادته فلم يجد قلبه ، فقال : إذا أصبحت شكوت هذه الوسوسة للشيخ ، فوقف الشيطان على الشيخ وقال : إن فلانا يريد أن يشكوني وأنا ما ظلمته ، إن الدنيا بستاني وأنا أحرسها ، فمن أخذ مني شيئا لا أتركه حتى يترك ما أخذ ، فلما أصبح جاء الشيخ فقال له الشيخ : جاء إبليس يشتكي منك ، ما الذي أخذت له ؟ فقال : يا سيدي خلق ثوبي فطلبت إبرة لأرقعه ، فقال له : أخرجها له ، وقل لنفسك : الموت أقرب من ذلك ، فطرحها فوجد قلبه ، وأنشدوا : لا تحقرنّ ضعيفا عند رؤيته * إنّ البعوضة تدمي مقلة الأسد وللشرارة حقر حين تنظرها * وربما أضرمت نارا على بلد ثم هذا الذي تشتغل به وتسارع إليه هو أيضا يطلبك ويسارع إليك ، وإن تقربت إليه شبرا تقرب إليك ذراعا ، كما أبان ذلك بقوله : 268 - ومن أيقن أنّ اللّه يطلبه صدّق الطلب إليه . قلت : اليقين هو سكون القلب وطمأنينته بحيث لم يبق فيه اضطراب ولا ريب في جميع الأمور ، وطلب اللّه لعبده من وجوه : منها أنه يطلبه بالقيام بحقوق العبودية ووظائف الربوبية ، ومنها أنه يطلبه بالتوجه إليه والفرار مما سواه ، ويطلبه بالعكوف في حضرته على بساط الأدب والمحبة ، فمن أيقن أن اللّه يطلبه بهذه الوجوه صدق الطلب إليه ، وصدق الطلب هو إفراد القلب والقالب لجهة المطلوب بحيث لم يبق له التفات لغيره ، فلم يثق إلا به ولا يعتمد إلا عليه ، كما أشار إلى ذلك بقوله : 269 - ومن علم أنّ الأمر كلّه بيده انجمع بالتّوكّل عليه . قلت : قال تعالى : وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [ هود : 123 ] ، وقال : قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ [ آل عمران : 154 ] ، فمن علم أن الأمور كلها بيد اللّه أمر الدنيا وأمر الآخرة ، والنفوس والقلوب ، لم يبق له نظر إلى سواه ، وانجمع بكليته عليه ، قال تعالى : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [ الطلاق : 3 ] ، أي كافيه ، ومن كان اللّه كافيه