أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

494

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

الأعمال التي توجد ثمرتها عاجلا وآجلا هو ذكر اللّه ، وثمرته هو النور الذي يشرق في القلب فيضمحل به كل باطل . والناس في هذا النور على قسمين : قسم سكن النور قلوبهم فهم ذاكرون على الدوام ، وقسم يطلبون وجوده بأذكارهم ، وإلى هذا أشار بقوله : 254 - قوم تسبق أنوارهم أذكارهم ، وقوم تسبق أذكارهم أنوارهم . قلت : أما القوم الذين تسبق أنوارهم أذكارهم فهم الواصلون ، وأما الذين تسبق أذكارهم أنوارهم فهم السائرون الأولون ، لهم أنوار المواجهة لا تفارقهم ، فهم ذاكرون على الدوام ، فإذا أرادوا أن يذكروا باللسان سبقت إلى قلوبهم الأنوار ، فكانت هي الحاملة لهم على وجود الأذكار . وأما الآخرون فلهم أنوار التوجه ، وهم طالبون لها محتاجون إليها فهم يجاهدون أنفسهم في طلب تلك الأنوار ، ثم بين حال الفريقين فقال : 255 - ذاكر ذكر ليستنير قلبه ، وذاكر استنار قلبه فكان ذاكرا . قلت : فالذي ذكر ليستنير قلبه هو الذي يسبق ذكره نوره ، فهو من القوم الذين تسبق أذكارهم أنوارهم ، والذي استنار قلبه فكان ذاكرا هو الذي يسبق نوره ذكره ، فهو من القوم الذين تسبق أنوارهم أذكارهم وهم العارفون باللّه ، لا تجدهم إلا في حضرة اللّه بين ذكر أو فكرة أو نظرة أو إرشاد إلى الحضرة ، فقلوبهم ممتلئة بالأنوار ، وأرواحهم دائما في حضرة الأسرار . ثم إن وجود الذكر في الظاهر عنوان وجود الشهود في الباطن ، إذ لولا وارد ما كان ورد ، وهو الذي أبانه بقوله : 256 - ما كان ظاهر ذكر إلا عن باطن شهود أو فكر . قلت : إذا كان الظاهر مشتغلا بذكر اللّه فهو علامة وجود محبة اللّه في الباطن ، إذ من أحب شيئا أكثر من ذكره ، ولا تكون المحبة إلا عن ذوق ومعرفة ، فلا يكون ظاهر ذكر إلا عن باطن شهود : أيّ شهود كان وإن كان لا يشعر بشهوده ، فما ذكرت الروح حتى فنيت ، ولا فنيت حتى شهدت ، فكل من فنى في ذكر اللّه فإن روحه شهدت جمال الحضرة أو تفكرت في جمال