أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
483
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
أنت الكمال طريقة وحقيقة * يا جامعا سرّ الإله بأسره وقال في المباحث : يا سابقا في موكب الإبداع * ولاحقا في جيش الاختراع اعقل فأنت نسخة الوجود * للّه ما أعلاك من موجود أليس فيك العرش والكرسيّ * والعالم العلويّ والسّفليّ ما الكون إلا رجل كبير * وأنت كون مثله صغير قلت : إنما يكون الإنسان نسخة من العالم أو كونا صغيرا ، ما لم تغلب روحانيته على بشريته ، ومعناه على حسه ، ونوره على ظلمته ، وأما إن غلبت روحانيته على بشريته ومعناه على حسه فقد صار حينئذ ملكوتيّا جبروتيّا ، قد استولى على الكون بأسره ، وصار هو العالم الأكبر والكون نسخة منه ، وفي ذلك يقول ابن الفارض رضي اللّه تعالى عنه : وإنّي وإن كنت ابن آدم صورة * فلي فيه معنى شاهد بأبوّتي إذ الروح لم يسعها أرض ولا سماء ، كما بين ذلك بقوله : 246 - وسعك الكون من حيث جثمانيّتك ، ولم يسعك من حيث ثبوت روحانيّتك . قلت : الروح إذا تصفت وتطهرت من كدرات الحس عرجت إلى عالم الجبروت ، فلم يحجبها عن اللّه أرض ولا سماء ، ولا فلك ولا عرش ولا كرسي ، بل يصير ذلك في جوفها كشيء تافه وهذا أمر مذوق عند العارفين ، إذا نظروا إلى الكون بأسره ذاب ورجع ماء ، فإذا شربوه صار في قلوبهم كنقطة ، وهم متفاوتون في إحاطتهم بالكون ، فمنهم من يصير عنده كالبيضة ، ومنهم من يصير عنده كالخردلة ، وذلك بحسب اتساع النظرة وضيقها ، فكلما جالت الروح في بحر الجبروت صغر الكون عندها حتى لا تحس به ، ولذلك قال بعضهم : لو كان العرش في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس به ، وقال آخر : العرش والكرسي منطبعان في ترسى . وقال شيخ أشياخنا مولاي عبد القادر الجيلاني رضي اللّه تعالى عنه :