أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

481

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ [ الزخرف : 22 ] . فتحصل أن الإنسان إذا جال مع النفس في ميدانها فجاهدها حتى هذبها ، وطهرها من الأوصاف الحاجبة لها ، رجعت نفسه حينئذ إلى أصلها ، وهي الحضرة التي كانت فيها ، إذ لم تكن بينها وبين الحضرة إلا الحجب الظلمانية ، فلما تخلصت منها رجعت إلى أصلها نورا مشرقا في قالب ظلماني ، فصارت عنده ياقوتة مكنونة تطوى عليها أصداف المكنونات ، كما أبان ذلك بقوله : 245 - جعلك في العالم المتوسّط بين ملكه وملكوته ، ليعلّمك جلالة قدرك بين مخلوقاته ، وأنّك جوهرة تطوى عليها أصداف مكوناته . قلت : قد عظم اللّه سبحانه هذا الإنسان ، وجعله نخبة الأكوان ، اجتمع فيه ما لم يجتمع في غيره ، فيه ملك وملكوت ، ونور وظلمة ، وغيب وشهادة ، وعالم علوي وسفلي ، وقدرة وحكمة ، وحس ومعنى ، فقد جعلك اللّه أيها الإنسان ناشئا في العالم المتوسط ، بين ملكه وهو بشريتك ، وملكوته وهو روحانيتك ، أو تقول : بين ملكه : وهو عالم الأشباح ، وملكوته : وهو عالم الأرواح ، فلست أيها الإنسان ملكا فقط فتكون كالبهائم والجمادات ، ولا ملكوتيا فقط فتكون كالملائكة ، ولكن جعلك مركبا من ملك وملكوت ، لتظهر مزيتك بالمجاهدة والمشاهدة ، ولذلك خصصت بالخلافة ، وتقدمت لحمل الأمانة ، ثم متعت بالنعيم ، والنظر إلى وجهه الكريم ، ثم انقسمت الناس على قسمين : فمنهم من غلبت بشريتهم على روحانيتهم ، وملكهم على ملكوتهم ، وظلمتهم على نورهم ، فبقوا في ظلمة الأكوان ، ومنعوا من الشهود والعيان ، وهم عوام المسلمين . ومنهم من غلبت روحانيتهم على بشريتهم ، ونورهم على ظلمتهم ، وملكوتهم على ملكهم ، وهم الخواص العارفون السائرون إليه بمجاهدة نفوسهم في ميدان الحرب وهو مجال الفرسان ، فمنهم السابق المقرب ، ومنهم اللاحق المحبب ، كل واحد على قدر صدقه في محبة سيده . وظاهر كلام الشيخ أن الإنسان شيء زائد على البشرية والروحانية ، لأنه قال : جعلك اللّه في العالم المتوسط بين الملك : وهو البشرية ، والملكوت : وهو الروحانية ، فيقتضي أنه شيء ثابت بينهما . والتحقيق أن الإنسان هو المجموع من الجسد والروح ، فهو بنفسه عالم