أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

474

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

أنعم عليك أولا بالإيجاد ، وثانيا بالأمداد ، وأعطاك كل ما تريد ، وملكك الكون كله تتصرف فيه كما تريد ، قال تعالى : وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ [ إبراهيم : 34 ] ، خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [ البقرة : 29 ] ، وقال : فهذا سبب محبة العوام . وأما محبة الخواص : فهي ناشئة عن شهود جماله وبهائه ، فغابوا في شهود جماله ، وتاهوا في حضرة بهائه ، وأنشدوا : يا ساقي القوم من شذاه * الكلّ لما سقيت تاهوا غابوا وبالسكر فيك طابوا * وصرّحوا بالهوى وفاهوا فهؤلاء باعوا أرواحهم في طلب مولاهم ، ثم استقلوا ما باعوا ، واستحيوا مما بذلوا لقلة ما أعطوا في جانب ما طلبوا ، وفي ذلك يقول سلطان العشاق ابن الفارض رضي اللّه تعالى عنه : لو أنّ روحي في يدي ووهبتها * لمبشّري بقدومكم لم أنصف ما لي سوى روحي وباذل روحه * في حبّ من يهواه ليس بمسرف فلئن رضيت بها فقد أسعفتني * يا خيبة المسعى إذا لم تسعف قال الشيخ أبو عبد اللّه القرشي رضي اللّه تعالى عنه : حقيقة المحبة أن تهب كلك لمن أحببته حتى لا يبقى لك منه شيء . وقال أبو يعقوب السوسي : حقيقة المحبة أن ينسى حظه من اللّه ، وينسى حوائجه إليه . وقال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه المحب على الحقيقة من لا سلطان على قلبه لغير محبوبه ، ولا مشيئة له مع مشيئته . وقيل : أول ما يقول اللّه للعبد : اطلب العافية والجنة والأعمال وغير ذلك ، فإن قال لا ، ما أريد إلا أنت ، قال له : من دخل في هذا معي فإنما يدخل بإسقاط الحظوظ ورفع الحدوث ، وإثبات القدم ، وذلك يوجب له العدم ، وفي معنى ذلك قيل : من لم يكن بك فانيا عن حظّه * وعن الغنى والأنس بالأحباب فلأنه بين المنازل واقف * لمنال حظّ أو لحسن مآب وبالجملة : فأمر المحبة كبير ، وبحرها خطير ، وفي ذلك قالوا : ما خاضوا بحر الرباح حتى خاضوا بحر الخسارة ، لا تنال إلا بذبح النفوس ، وترك الفلوس :