أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى
465
إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري
يكون ؟ فإذا غلبها قال له الحق تعالى : مرحبا بك وأهلا . ولكن القواطع لا يزول طمعها عنه حتى يسكن في الحضرة ، ولذلك قالوا : واللّه ما رجع من رجع إلا من الطريق ، وأما من وصل فلا يرجع . وقال آخر : « واللّه ما نشكر خليع ، وإن ثمل وإن صحا ، حتى يقطع في القطيع ، ويدور دور الرحى ، وإن ثبت يسر سريع ، وإن شرب حتى امتحى » . فإذا علمت أيها الفقير أو الإنسان أن الشيطان لا يغفل عنك ساعة ، لأن له بيتا في صدرك من جهة شمالك ، فإذا غفلت عن ذكر اللّه وسوس ، وإذا ذكرت اللّه انخنس ، فإذا علمت ذلك فلا تغفل أنت عمن ناصيتك وناصيته بيده ، وهو الحق تعالى ، فإذا اشتغلت باللّه رده عنك وكفاك أمره قال تعالى : إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً [ النساء : 76 ] ، وقد حذّر اللّه تعالى منه في كتابه قال تعالى : إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [ فاطر : 6 ] ، ففهم قوم إن الشيطان لهم عدو فاشتغلوا بمحاربته ففاتهم محبة الحبيب ، وفهم قوم أن الشيطان لكم عدو وأنا لكم حبيب ، فاشتغلوا بمحبة الحبيب فكفاهم عداوة العدو كما قال الشيخ أبو العباس . وقال شيخ شيوخنا سيدي علي رضي اللّه تعالى عنه : عداوة العدو حقّا هي اشتغالك بمحبة الحبيب حقّا ، فإذا اشتغلت بعداوة العدو فاتتك محبة الحبيب ونال عدوك مراده منك . وكتب الشعراني إلى شيخ له بالمغرب يشكو له إذاية الخلق ، فكتب له الشيخ : لا تشتغل بمن يؤذيك قط ، واشتغل باللّه يرده عنك . وقد غلط في هذا الأمر خلق كثير واشتغلوا بمن آذاهم ، فطال الأذى مع الإثم ، ولو أنهم رجعوا إلى اللّه لكفاهم أمرهم ولردهم عنهم والسلام ، هكذا سمعت هذه الحكاية من الشيخ . وقال الشيخ زروق رضي اللّه تعالى عنه : وإنما يندفع الشيطان بالتوكل والإيمان ، قال تعالى : إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [ النحل : 99 ] ، وقيل : الشيطان كلب ، إن اشتغلت بمقاومته مزق الإهاب وقطع الثياب ، وإن رجعت إلى ربك صرفه عنك برفق . وقال ذو النون المصري رضي اللّه تعالى عنه : إن كان هو يرانا من حيث لا نراه فاللّه يراه من حيث لا يرى اللّه ، فاستعن باللّه عليه انتهى . قلت : ومن عرف اللّه ذاب الشيطان من نوره فلم يبق يعرف إلا اللّه ، ولذلك قال بعضهم : نحن قوم لا نعرف الشيطان ، قيل له : أوليس قد ذكره اللّه في كتابه ؟ قال : أجل ، ولكن اشتغلنا باللّه فكفانا أمره حتى نسيناه ، وباللّه