أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

455

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

233 - العلم إن قارنته الخشية فلك ، وإلا فعليك . قلت : لأن العلم الذي تصحبه الخشية يمنع صاحبه من الغفلة وأسبابها ، ويزهده في كل ما يشغل عن العمل به ، ويرغبه في كل ما يقربه إلى ربه فيكون عونا له على الوصول إلى معرفة اللّه ، والقرب من ساحة رضاه ، فإن لم تقارنه الخشية كان وبالا عليه ، لأنه حينئذ حجة عليه ، لأن المعصية مع العلم أقبح من المعصية مع الجهل ، وفي الحديث عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم قال : « ويل للجاهل مرة ، وويل للعالم إذا لم يعمل عشر مرات « 1 » » ، ذكره الغزالي . ومثله قول الشيخ أبي الحسن رضي اللّه تعالى عنه في حزبه الكبير : فالويل لمن لم يعرفك ، بل الويل ثم الويل لمن أقر بوحدانيتك ولم يرض بأحكامك . فإن قلت : قد ورد في بعض الأحاديث : أنه يغفر للعالم أربعين ذنبا ، قبل أن يغفر للجاهل ذنبا واحدا قلت : قد يجاب بأن الحديث الأول ورد في من مات مصرّا من العالم والجاهل ، فإن عذاب العالم أكثر ، لأنه قد ورد أنه يجر قصبه في النار ويدور في رحى بجهنم ، بخلاف الجاهل لم يرد فيه هذا ، والحديث الثاني فيمن تحققت توبته منهما ، فإن العالم بيده مصباح العلم يستدرك به ما فات أكثر من الجاهل إذا تاب ، فقد يجبر العالم من الخلل في شهر ما لا يجبره الجاهل في سنة أو أكثر . والحاصل : أن الأول في العالم والجاهل إذا ماتا مصرين ، والثاني فيهما إذا تابا وأصلحا ، واللّه تعالى أعلم . وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي : العلم كالدنانير والدراهم ، إن شاء اللّه نفعك بها ، وإن شاء ضرك بها . وقال في لطائف المنن : فشاهد العلم الذي هو مطلوب اللّه تعالى من عباده الخشية للّه ، وشاهد الخشية موافقة الأمر ، أما علم تكون معه الرغبة في الدنيا ، والتملق لأربابها ، وصرف الهمة لاكتسابها ، والجمع والادخار ، والمباهاة والاستكبار ، وطول الأمل ونسيان الآخرة ، فما أبعد من هذا علمه من أن يكون من ورثة الأنبياء عليهم السلام ، وهل ينتقل الشيء الموروث إلى الوارث إلا بالصفة التي كان بها عند الموروث ؟ ومثل من هذه الأوصاف أوصافه من العلماء كمثل الشمعة تضئ على غيرها وهي تحرق نفسها ، جعل اللّه العلم الذي علمه من هذا وصفه حجة عليه ، وسببا في تكثير

--> ( 1 ) ذكره العجلوني في كشف الخفاء ( 2 / 463 ) ، بنحوه .